هبة زووم – أحمد الفيلالي
بينما تستعد مدينة الدار البيضاء لارتداء “بدلة المونديال” وتقديم نفسها كواجهة حضارية عالمية، تنفجر في قلب مقاطعة الحي المحمدي واحدة من أخطر معارك التعمير التي تكشف حجم الصراع الخفي بين منطق الدولة ومنطق اللوبيات العقارية التي اعتادت، لسنوات طويلة، تحويل المجال الحضري إلى غنيمة مفتوحة لخدمة المصالح الخاصة.
فالحديث اليوم لم يعد يتعلق فقط بتحيين تصميم التهيئة أو إعداد وثيقة تقنية جديدة تنظم المجال العمراني، بل أصبح الأمر مرتبطا بمواجهة حقيقية بين سلطة القانون وبين شبكات الريع العقاري التي تسعى إلى تطويع وثائق التعمير لخدمة مشاريع ومصالح ضيقة، بعيدا عن أي رؤية تنموية حقيقية تستحضر مصلحة الساكنة وحق المدينة في نمو متوازن وعادل.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الوكالة الحضرية للدار البيضاء، بتنسيق مع السلطات المحلية، أنها تعمل على إعداد مسودة جديدة لتصميم التهيئة الخاص بالحي المحمدي بعد انتهاء صلاحية التصميم السابق، يطفو على السطح سؤال مقلق يردده الشارع البيضاوي بإلحاح: هل ستتحول هذه الوثيقة الجديدة إلى أداة لإعادة هيكلة المدينة وفق حاجيات الساكنة، أم أنها ستصبح مجرد “دفتر امتيازات” جديد يوزع العقار والنفوذ على المحظوظين؟
مصادر مهتمة بالشأن العمراني تؤكد أن ما يجري في كواليس التعمير بالعاصمة الاقتصادية تجاوز منذ مدة حدود النقاش التقني، ليتحول إلى حرب نفوذ حقيقية تتداخل فيها المصالح السياسية والمالية والعقارية، وسط محاولات متواصلة للضغط والتأثير على مسار إعداد وثائق التهيئة، عبر حملات إعلامية موجهة ومقالات مدفوعة الثمن هدفها تلميع بعض الأطراف وشيطنة أخرى.
ورغم أن تشجيع الاستثمار يظل ضرورة اقتصادية لا يختلف حولها اثنان، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل هذا الشعار إلى مطية لتمرير مشاريع مشبوهة لا تخدم التنمية بقدر ما تخدم حسابات المضاربين العقاريين.
فليس من المنطقي، بحسب متابعين، أن يتم الحديث عن “استثمارات مواطنة” في الوقت الذي يتم فيه تهميش المقاولات المحلية واليد العاملة التابعة للمنطقة، وكأن أبناء الحي المحمدي لا يستحقون سوى دور الحراس أو المصفقين لمشاريع تُقام فوق أرضهم دون أن يستفيدوا من عائداتها الاقتصادية والاجتماعية.
الأخطر من ذلك أن عددا من المشاريع المثيرة للجدل باتت تُمرر تحت يافطة “تأهيل المدينة استعدادا للمونديال”، في محاولة لإضفاء الشرعية على اختلالات عمرانية واضحة، وهو ما يثير مخاوف حقيقية من أن تتحول المناسبة الرياضية العالمية إلى فرصة ذهبية للوبيات العقار من أجل إعادة اقتسام المجال الحضري وفق منطق النفوذ والربح السريع.
وفي ظل هذا الوضع، تتجه الأنظار نحو عامل عمالة الحي المحمدي الطاوس، باعتباره المسؤول الترابي الأول المعني بضمان احترام القانون وحماية المجال العمراني من العبث، خاصة أن الرأي العام المحلي بات يطالب بتدخل صارم يضع حدا لفوضى التعمير ويقطع مع مرحلة “التفصيل على المقاس” التي أفرغت مفهوم التخطيط الحضري من مضمونه الحقيقي.
فالدار البيضاء اليوم ليست في حاجة إلى إسمنت إضافي بقدر حاجتها إلى عدالة مجالية حقيقية، واستثمارات تحترم الإنسان قبل العقار، وتحفظ للمدينة هويتها وحق سكانها في التنمية، بدل تحويلها إلى سوق مفتوح للمضاربات والصفقات التي تُدار في الظل.
ومع تصاعد الجدل، يبقى السؤال الكبير معلقا: هل تنتصر الدولة لمنطق القانون والمؤسسات، أم أن لوبيات العقار ستواصل التهام ما تبقى من روح الحي المحمدي تحت غطاء الاستثمار والتنمية؟
تعليقات الزوار