هبة زووم – الرباط
في واحدة من أقوى البيانات النقابية خلال الأشهر الأخيرة، فجرت الجامعة الوطنية للتعليم – التوجه الديمقراطي غضباً اجتماعياً مكتوماً بسبب الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي والمواد الأساسية، معتبرة أن ما يعيشه المغاربة اليوم لم يعد مجرد أزمة ظرفية، بل نتيجة مباشرة لسياسات “طبقية” عمقت الفوارق الاجتماعية وأغرقت ملايين الأسر في دوامة الفقر والهشاشة.
البيان الصادر عن المكتب الوطني للنقابة لم يكتف بوصف واقع الغلاء، بل وجه اتهامات سياسية واقتصادية واضحة للحكومة، محملاً إياها مسؤولية ما سماه “تخريب الفلاحة الوطنية” والانحياز للوبيات الاحتكار والمضاربة، على حساب القدرة الشرائية للطبقة العاملة والفئات الشعبية.
لغة البيان كانت حادة وصادمة، وتعكس حجم الاحتقان الذي بدأ يتسلل إلى الأوساط الاجتماعية والمهنية، خصوصاً مع اقتراب عيد الأضحى، الذي تحول بالنسبة لآلاف الأسر المغربية من مناسبة دينية واجتماعية للفرح والتكافل إلى مصدر ضغط نفسي ومالي خانق.
فالنقابة تساءلت بمرارة: كيف يمكن لعامل بسيط أو حارس أمن خاص أو أستاذ مثقل بالاقتطاعات والقروض أو عاملة نظافة أن يقتني أضحية أصبح ثمنها يعادل أجر شهر كامل وربما أكثر؟ وكيف يمكن الحديث عن “الدولة الاجتماعية” بينما تختفي الأضاحي من أحياء شعبية بأكملها؟
هذه الأسئلة لا تبدو مجرد شعارات نقابية، بل تعكس واقعاً اجتماعياً متوتراً بات يهدد التوازن النفسي والاقتصادي لشرائح واسعة من المغاربة، خصوصاً في ظل استمرار تجميد الأجور وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق.
الأخطر في بيان FNE أنه ربط بشكل مباشر بين الغلاء الحالي وبين طبيعة النموذج الاقتصادي المعتمد، معتبراً أن ما يجري اليوم هو إعادة توزيع للثروة لفائدة فئات محدودة مستفيدة من الريع والاحتكار، مقابل تحميل الطبقات الشعبية كلفة الأزمات المتلاحقة.
وفي وقت تحاول فيه الحكومة تقديم خطاب مطمئن حول “وفرة العرض” و”تنظيم الأسواق”، ترى النقابة أن الواقع داخل الأسواق يكشف شيئاً مختلفاً تماماً، حيث تتحكم المضاربات والسماسرة في الأسعار، بينما يجد المواطن نفسه وحيداً أمام موجة غلاء غير مسبوقة.
كما اعتبرت النقابة أن استمرار حرمان فئات واسعة من الأجراء، ومن بينهم نساء ورجال التعليم، من أي دعم اجتماعي فعلي بمناسبة العيد، يكشف حجم الحيف الاجتماعي والتمييز الطبقي الذي أصبح يطبع السياسات العمومية.
ولم تكتف الجامعة الوطنية للتعليم بالتشخيص، بل رفعت سقف مطالبها بشكل واضح، عبر الدعوة إلى إقرار السلم المتحرك للأجور والتعويضات، وربط الأجور بمستوى الأسعار، معتبرة أن هذا المطلب لم يعد مطلباً فئوياً بل ضرورة اجتماعية ووطنية لحماية كرامة الشغيلة.
البيان حمل أيضاً رسائل سياسية قوية، حين اعتبر أن “فرحة العيد ليست حكراً على الأغنياء”، وأن تحويل الشعائر الاجتماعية إلى امتياز طبقي يشكل خطراً حقيقياً على التماسك الاجتماعي ويغذي الإحساس بالحكرة واليأس داخل المجتمع.
اليوم، يبدو أن ملف غلاء الأضاحي تجاوز كونه مجرد نقاش موسمي مرتبط بعيد الأضحى، ليتحول إلى عنوان أكبر لأزمة اجتماعية واقتصادية عميقة، تكشف اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي حول “الدولة الاجتماعية” وبين واقع يومي يزداد قسوة على الطبقات الكادحة.
وفي ظل هذا الاحتقان المتصاعد، تبدو الرسالة التي وجهتها FNE واضحة: الصمت الاجتماعي لم يعد مضموناً، ومعركة الدفاع عن الأجور والكرامة والعدالة الاجتماعية مرشحة لمزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة.
تعليقات الزوار