هل تكفي التكنولوجيا لمحاربة الغش؟ اليحياوي يضع الإصبع على جرح المدرسة المغربية

هبة زووم – الرباط
في خرجة جديدة لا تخلو من النقد اللاذع والتشريح العميق لاختلالات المنظومة التعليمية، أثار الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي جدلاً واسعاً بتفاعله مع اعتماد وزارة التربية الوطنية لآلات إلكترونية متطورة لرصد حالات الغش خلال امتحانات الباكالوريا، معتبراً أن اللجوء إلى هذه الوسائل يعكس معالجة تقنية وأمنية لمشكلة أعمق بكثير من مجرد تسريب معلومة أو استعمال هاتف محمول داخل قاعة الامتحان.
وفي تدوينة أثارت تفاعلاً واسعاً، وصف اليحياوي المشهد الذي بات مألوفاً داخل بعض مراكز الامتحان، حيث يجوب موظفون القاعات حاملين أجهزة إلكترونية متخصصة في رصد الإشارات والاتصالات المشبوهة، بحثاً عن أي محاولة للغش أو التواصل غير المشروع بين المترشحين.
واعتبر الباحث أن عدداً من التلاميذ ينظرون إلى هذه الإجراءات باعتبارها مصدراً للضغط النفسي والتشويش على التركيز، خاصة في لحظة دقيقة تتطلب أقصى درجات الهدوء والاستقرار الذهني، مضيفاً أن بعضهم يرى في هذه الآليات نوعاً من التعامل المسبق مع المترشحين باعتبارهم “مشاريع غش” إلى أن تثبت الأجهزة العكس.
ولم يخف اليحياوي خطورة ظاهرة الغش داخل المجتمع المغربي، مؤكداً أنها تحولت إلى آفة متجذرة تتجاوز أسوار المدرسة لتطال مختلف مناحي الحياة العامة.
غير أنه شدد على أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تختزل في المقاربة الزجرية أو الأمنية وحدها، لأن أصل المشكل يكمن في طبيعة المنظومة التربوية نفسها وفي القيم التي تنتجها وتعيد إنتاجها داخل المجتمع.
ويرى الأستاذ الجامعي أن المدرسة المغربية تواجه تحدياً أكبر من مجرد ضبط الغشاشين، يتمثل في بناء عقل نقدي قادر على الفهم والتحليل والاستنتاج، بدل الاكتفاء بقياس قدرة المتعلم على الحفظ والاستظهار واسترجاع المعلومات.
فالتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، تظل في نظره أداة لمراقبة السلوك، لكنها عاجزة عن معالجة الأسباب العميقة التي تدفع بعض التلاميذ إلى البحث عن طرق ملتوية للنجاح.
وتعيد هذه المواقف إلى الواجهة النقاش المتجدد حول حدود توظيف التكنولوجيا داخل المؤسسات التعليمية، بين من يعتبرها ضرورة لفرض تكافؤ الفرص وحماية مصداقية الشهادات الوطنية، وبين من يرى أن الإفراط في المقاربة الأمنية قد يحول فضاء التعلم إلى مجال للمراقبة والاشتباه أكثر منه فضاء للتربية والتكوين.
وفي خضم هذا الجدل، يطرح اليحياوي سؤالاً جوهرياً حول مستقبل المدرسة المغربية: هل يكفي امتلاك أحدث أجهزة كشف الغش لإصلاح التعليم، أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار لقيم النزاهة والاستحقاق، وبناء مدرسة تنتج المعرفة والفهم بدل الاكتفاء بمطاردة مظاهر الأزمة دون الاقتراب من جذورها؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد