دعم اجتماعي أم اعتراف بفشل السياسات الاقتصادية؟ لقجع يحاول إصلاح أعطاب “الدولة الاجتماعية”
هبة زووم – الرباط
في خطوة تحمل أكثر من دلالة سياسية واجتماعية، قدم الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، مشروع قانون جديداً لتعديل نظام الدعم الاجتماعي المباشر، يقضي بالسماح للأسر المستفيدة بمواصلة الاستفادة من الإعانات لمدة سنة كاملة بعد حصول أحد أفرادها على عمل مصرح به لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ورغم أن الحكومة تسوق هذا التعديل باعتباره إجراءً يهدف إلى تشجيع الاندماج في سوق الشغل المهيكل، فإن القراءة المتأنية لمضمون المشروع تكشف حقيقة أكثر إحراجاً، وهي أن الدولة اكتشفت متأخرة وجود خلل بنيوي في فلسفة الدعم الاجتماعي نفسها، بعدما تحول الحصول على عمل بالنسبة لعدد من الأسر إلى مصدر خوف بدل أن يكون فرصة لتحسين أوضاعها المعيشية.
فمن المفترض أن يكون العمل هو الطريق الطبيعي للخروج من دائرة الهشاشة والفقر، غير أن الواقع الذي اعترف به لقجع أمام البرلمان يبين أن آلاف المستفيدين كانوا يفضلون البقاء خارج سوق الشغل المهيكل أو يطلبون من مشغليهم عدم التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فقط خوفاً من فقدان الدعم الشهري الذي تعتمد عليه أسرهم في تدبير الحد الأدنى من متطلبات العيش.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف وصلت الدولة إلى وضع أصبح فيه الشغل يشكل تهديداً للاستقرار الاجتماعي بدل أن يكون رافعة للكرامة والاندماج الاقتصادي؟
ما وقع يكشف أن الحكومة، عند إطلاق ورش الدعم الاجتماعي المباشر أواخر سنة 2023، ركزت على توسيع قاعدة المستفيدين وضخ الاعتمادات المالية الضخمة، لكنها لم تنتبه بالشكل الكافي إلى الآثار الجانبية المحتملة لهذا النظام على سلوك الأسر داخل سوق الشغل.
فحين يكون الأجر المعروض في عدد من الوظائف الهشة ضعيفاً، وعندما يعلم العامل أن مجرد التصريح به سيحرمه فوراً من دعم شهري تعتمد عليه أسرته، يصبح من الطبيعي أن يختار الاحتفاظ بالدعم بدل المجازفة بوضع اقتصادي قد يكون أكثر هشاشة من السابق.
وبذلك لم يعد المشكل مرتبطاً فقط بالحماية الاجتماعية، بل أصبح يعكس أزمة أعمق تتعلق بضعف الأجور وهشاشة فرص الشغل وغياب جاذبية القطاع المهيكل بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين.
صحيح أن التعديل الجديد يحمل جانباً إيجابياً من خلال منح الأسر فترة انتقالية تصل إلى 12 شهراً، تواصل خلالها الاستفادة من الدعم رغم التصريح بأحد أفرادها في الضمان الاجتماعي، غير أن هذا الإجراء يبدو أقرب إلى معالجة عرض من أعراض الأزمة وليس معالجة أصل المرض.
فالمرض الحقيقي يتمثل في اقتصاد ما زال عاجزاً عن إنتاج فرص شغل كافية ومستقرة تضمن للأسر دخلاً يغنيها فعلاً عن الحاجة إلى الدعم العمومي.
كما أن المشروع الجديد يطرح بدوره تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على ضبط عملية الانتقال بين وضعية الاستفادة من الدعم ووضعية الاستقلال الاقتصادي، خاصة في ظل هشاشة عدد كبير من مناصب الشغل التي قد تضيع بعد أشهر قليلة من الحصول عليها.
فالعديد من العمال في قطاعات موسمية أو غير مستقرة قد يجدون أنفسهم بعد سنة من انتهاء الدعم خارج العمل وخارج منظومة المساعدات في الوقت نفسه، وهو ما قد يخلق فئات جديدة من الهشاشة بدل القضاء عليها.
ومن زاوية أخرى، يكشف هذا التعديل حجم المفارقة التي تعيشها السياسات العمومية بالمغرب. فالدولة التي تنفق اليوم ما يقارب 2.2 مليار درهم شهرياً على الدعم الاجتماعي المباشر، وتعِد ببناء “الدولة الاجتماعية”، تجد نفسها مضطرة إلى تعديل قوانينها لأن جزءاً من المستفيدين أصبح يعتبر الاندماج في سوق الشغل مخاطرة قد تكلفه فقدان مورد مالي أساسي.
وإذا كان هذا الاعتراف الحكومي يحسب من حيث الجرأة في تصحيح الاختلالات، فإنه في المقابل يطرح أسئلة محرجة حول جودة الدراسات الاستباقية التي سبقت إطلاق هذا الورش الضخم، وحول قدرة المؤسسات العمومية على توقع التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للقرارات الكبرى قبل تنزيلها.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تمديد الدعم سنة إضافية، بل في خلق شروط تجعل المواطن يختار العمل بإرادته لأنه يوفر له دخلاً وحماية اجتماعية أفضل من أي إعانة مؤقتة.
فالدعم الاجتماعي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يتحول إلى بديل دائم عن التشغيل، كما أن نجاح الدولة الاجتماعية لا يقاس بعدد الأسر المستفيدة من الإعانات، بل بعدد الأسر التي تمكنت من مغادرة دائرة الحاجة بفضل فرص الشغل والعيش الكريم.
لذلك، يبدو أن التعديل الذي قدمه فوزي لقجع لا يعكس فقط رغبة في تحسين نظام الدعم الاجتماعي، بل يشكل في العمق اعترافاً غير مباشر بأن النموذج الحالي يحتاج إلى مراجعات أوسع، لأن الدولة القوية ليست تلك التي توزع الإعانات فقط، بل تلك التي تخلق اقتصاداً يوفر للمواطنين أسباب الاستغناء عنها.