ثورة رقمية أم هروب إلى الأمام؟ البنك الشعبي يراهن على البطاقات الافتراضية للتغطية على فشل تدبير نزيهة بلقزيز

هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي يسارع فيه البنك الشعبي إلى الترويج لإطلاق بطاقتين افتراضيتين جديدتين تحت اسمي “LA VIRTUELLE” و”L’INSTANT”، في إطار ما يصفه بمواصلة التحول الرقمي وتطوير خدمات الأداء الإلكتروني، يطرح العديد من المتابعين سؤالاً بسيطاً لكنه محرج: هل أصبحت الأولوية فعلاً هي إطلاق منتجات رقمية جديدة، أم معالجة الإشكالات اليومية التي ما يزال عدد من الزبناء يشتكون منها داخل المنظومة البنكية؟
من الناحية التسويقية يبدو الإعلان جذاباً. بطاقات افتراضية، أداء إلكتروني، محافظ رقمية، معاملات فورية وأدوات حديثة تتماشى مع التحولات العالمية.
لكن خلف هذا الخطاب البراق تختبئ حقيقة أكثر تعقيداً، وهي أن نجاح أي ابتكار مصرفي لا يقاس بعدد البلاغات الترويجية ولا بعدد الأسماء الأجنبية اللامعة التي تُمنح للمنتجات الجديدة، بل بمدى انعكاس ذلك على جودة الخدمة التي يتلقاها الزبون يومياً.
فالمغاربة لا يحتاجون فقط إلى بطاقة افتراضية جديدة، بقدر ما يحتاجون إلى خدمات أكثر سرعة وشفافية وفعالية، يحتاجون إلى تقليص زمن الانتظار، وإلى معالجة الأعطاب التقنية المتكررة، وإلى تسهيل الولوج إلى الخدمات البنكية، وإلى تحسين جودة التواصل مع الزبناء عند وقوع المشاكل أو النزاعات المرتبطة بالمعاملات المالية.
كما أن الحديث عن الرقمنة أصبح يتكرر بشكل لافت داخل الخطاب البنكي المغربي، إلى درجة تحول معها إلى شعار جاهز يرفع في كل مناسبة. غير أن الرقمنة الحقيقية لا تعني فقط نقل البطاقة من شكل مادي إلى شكل افتراضي، بل تعني بناء تجربة مصرفية متكاملة تجعل حياة الزبون أكثر سهولة وأماناً ووضوحاً.
واللافت أن المؤسسات البنكية تتسابق اليوم لإطلاق تطبيقات ومنتجات رقمية جديدة، بينما ما تزال نسبة مهمة من المواطنين تواجه صعوبات في التعامل مع بعض الخدمات الإلكترونية، سواء بسبب تعقيد الإجراءات أو ضعف المواكبة أو محدودية الثقافة الرقمية لدى جزء من الزبناء. وهو ما يجعل بعض هذه الابتكارات أقرب إلى مخاطبة فئة محدودة من المستخدمين أكثر من كونها حلاً شاملاً لجميع الفئات.
ثم إن الحديث عن الأداء الإلكتروني والأمن الرقمي يفتح بدوره باباً آخر للنقاش. فكلما توسعت الخدمات الرقمية، ازدادت الحاجة إلى تعزيز الحماية المعلوماتية وضمان سلامة المعطيات الشخصية والمالية للزبائن، لأن أي اختراق أو خلل أمني قد ينسف في لحظة واحدة سنوات من حملات التسويق والترويج للثقة الرقمية.
ويرى متابعون أن المؤسسات البنكية أصبحت أحياناً أكثر انشغالاً بصناعة صورة “البنك المبتكر” من انشغالها بقياس الأثر الحقيقي لهذه الابتكارات على حياة المواطنين. فالمطلوب ليس فقط إطلاق منتج جديد كل بضعة أشهر، بل تقديم حلول ملموسة للمشاكل التي تواجه الزبناء يومياً.
وفي النهاية، قد تشكل البطاقات الافتراضية الجديدة خطوة تقنية مهمة في مسار تحديث الخدمات البنكية، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً هو: هل يشعر الزبون فعلاً بأن هذه المنتجات جاءت لحل مشاكله وتسهيل حياته، أم أنها مجرد إضافة جديدة إلى سلسلة طويلة من المنتجات الرقمية التي تلمع في الإعلانات أكثر مما تغير الواقع؟
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ من البطاقة الافتراضية، بل يبدأ من بناء علاقة ثقة مع الزبون، ومن تقديم خدمة فعالة وشفافة وعادلة. وما لم يتحقق ذلك، فإن كل حديث عن الابتكار سيظل بالنسبة لكثير من المواطنين مجرد واجهة جميلة تخفي وراءها أسئلة قديمة لم تجد جوابها بعد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد