هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي كان ينتظر فيه الفلاح المغربي أن يجني ثمار موسم فلاحي وُصف بالواعد بعد التحسن الملحوظ في التساقطات المطرية، وجد نفسه أمام واقع أكثر قسوة من الجفاف نفسه: أزمة تسويق خانقة تهدد بتحويل محصول الحبوب إلى عبء اقتصادي بدل أن يكون مصدر دخل يعوض سنوات من الخسائر والمعاناة.
فبعدما ارتفعت التوقعات إلى إنتاج يناهز 90 مليون قنطار من الحبوب، كان من المفترض أن تنصب جهود الجهات الوصية على تأمين ظروف تسويق عادلة تضمن للفلاح سعراً منصفاً يمكنه من تغطية تكاليف الإنتاج وتحقيق حد أدنى من الربح، غير أن ما يجري على أرض الواقع يرسم صورة مغايرة تماماً، عنوانها تراجع الطلب وانهيار الأسعار واحتقان متزايد في الأوساط الفلاحية.
وفي هذا السياق، اختار النائب البرلماني مصطفى إبراهيمي فتح الملف تحت قبة البرلمان، من خلال مساءلة وزير الفلاحة حول ما يصفه عدد من المهنيين باختلالات خطيرة في سوق الحبوب، تتعلق أساساً باستمرار تداول كميات كبيرة من الحبوب المستوردة في وقت يفترض فيه أن تعطى الأولوية لتسويق المنتوج الوطني.
وتكمن خطورة هذه الوضعية، بحسب المعطيات المتداولة، في أن الفلاح المغربي يجد نفسه اليوم في مواجهة منافسة غير متكافئة. فمن جهة، يتحمل تكاليف الإنتاج المرتفعة المرتبطة بالبذور والأسمدة والمحروقات واليد العاملة، ومن جهة أخرى يواجه منتجات مستوردة تعرض بشروط مالية وتسهيلات في الأداء لا يستطيع مجاراتها.
والنتيجة كانت واضحة: تراجع الإقبال على شراء الحبوب الوطنية، وانخفاض الأسعار في عدد من المناطق إلى مستويات اعتبرها الفلاحون غير منطقية ولا تعكس حجم المجهودات والتكاليف التي بذلوها طوال الموسم.
وتعيد هذه الأزمة إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتكرر مع كل موسم فلاحي: أين تنتهي حدود حرية السوق وأين تبدأ مسؤولية الدولة في حماية المنتج الوطني؟ فالدولة التي تراهن على الأمن الغذائي وتعزيز السيادة الغذائية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإثبات أن هذه الشعارات ليست مجرد عناوين للاستهلاك الإعلامي، بل سياسات عملية تنعكس على أرض الواقع.
ويرى متابعون أن الإشكال لا يتعلق فقط بوفرة الإنتاج أو بكميات الاستيراد، بل بغياب رؤية استباقية تضمن التوازن بين حاجيات السوق وحماية الفلاحين، إذ لا يعقل أن يحقق المغرب موسماً جيداً من حيث الإنتاج، ثم يجد آلاف المنتجين أنفسهم عاجزين عن تسويق محاصيلهم في ظروف عادلة.
كما أن استمرار هذا الوضع يبعث برسائل سلبية إلى العالم القروي، مفادها أن الاجتهاد في الإنتاج لا يضمن بالضرورة تحقيق مردودية اقتصادية، وهو ما قد ينعكس مستقبلاً على حجم الاستثمارات الفلاحية وعلى استعداد المنتجين لمواصلة المغامرة في قطاع يعرف أصلاً مخاطر مناخية واقتصادية كبيرة.
وإذا كانت الحكومة قد اتخذت في فترات سابقة إجراءات لدعم بعض القطاعات الإنتاجية عند تعرضها لأزمات ظرفية، فإن منتجي الحبوب ينتظرون اليوم تدخلاً مماثلاً يعيد التوازن إلى السوق ويمنع انهيار الأسعار ويحمي استثمارات آلاف الفلاحين الذين راهنوا على موسم استثنائي.
فالرهان الحقيقي لم يعد مرتبطاً فقط بتحقيق أرقام قياسية في الإنتاج، بل بضمان أن يستفيد المنتج المغربي من ثمرة عمله. أما إذا استمرت الأسواق في معاقبة الفلاح كلما ارتفع الإنتاج، فإن الحديث عن تشجيع الفلاحة وتحقيق السيادة الغذائية سيظل مجرد شعار يصطدم بواقع مختلف تماماً.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الفلاحون اليوم بإلحاح: هل ستتدخل وزارة الفلاحة لحماية المحصول الوطني وإنقاذ الموسم من الانهيار التسويقي، أم أن الحبوب المغربية ستبقى الضحية الأولى لفوضى السوق ومصالح المستوردين الكبار؟
تعليقات الزوار