تحالف الأطباء يطالب بتحديث تسعيرة التطبيب لحماية القدرة الشرائية للمغاربة

هبة زووم – الرباط
عادت التعريفة المرجعية الوطنية للتأمين الإجباري عن المرض إلى واجهة النقاش الصحي بالمغرب، بعد خروج أربع من أكبر التنظيمات النقابية والمهنية الممثلة لأطباء القطاع الخاص بموقف موحد يندد باستمرار العمل باتفاقية مرجعية يعود عمرها إلى أكثر من عشرين سنة، رغم أن القانون ينص على مراجعتها بشكل دوري كل ثلاث سنوات.
وخلال جمع عام عقدته مكونات التحالف النقابي الذي يضم التجمع النقابي الوطني للأطباء الأخصائيين بالقطاع الخاص، والنقابة الوطنية لأطباء القطاع الحر، والنقابة الوطنية للطب العام، والجمعية الوطنية للمصحات الخاصة، أكد المتدخلون أن الإبقاء على تعريفة مرجعية متجاوزة زمنياً واقتصادياً أصبح يشكل أحد أبرز أسباب اتساع الفجوة بين تكاليف العلاج الحقيقية وبين المبالغ التي تسترجعها الفئات المستفيدة من التغطية الصحية.
وفي الوقت الذي قد يعتقد البعض أن مطلب مراجعة التعريفة يخدم مصالح الأطباء والمؤسسات الصحية، شددت الهيئات المهنية على أن المستفيد الأول من هذا الإصلاح هو المواطن نفسه، الذي أصبح مطالباً بأداء فروقات مالية كبيرة من جيبه الخاص بسبب عدم تحيين التعريفة المرجعية المعتمدة من طرف صناديق التأمين الصحي.
وحسب المعطيات التي قدمها ممثلو التنظيمات الأربع، فإن المؤمن له يتحمل اليوم في بعض الحالات أكثر من 54 في المائة من المصاريف الطبية، نتيجة الهوة الكبيرة بين الأسعار المرجعية المعتمدة ومصاريف العلاج الحقيقية. وهو وضع يعتبره الأطباء أحد العوامل التي تضعف الولوج إلى الخدمات الصحية، خاصة بالنسبة للفئات الهشة والمتوسطة التي تواجه أصلاً ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويرى المتتبعون أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بقيمة الأتعاب التي يتقاضاها الطبيب، إذ إن هذه الأخيرة تؤدى كاملة وفق التسعيرة المعمول بها، بل يكمن في حجم التعويضات التي يحصل عليها المؤمن له، والتي ما تزال تحتسب وفق تعريفة وضعت في سياق اقتصادي واجتماعي مختلف تماماً عن الواقع الحالي.
واستحضر الأطباء خلال لقائهم الاتفاقية التي جرى التوافق بشأنها سنة 2020 بين مختلف المتدخلين في القطاع الصحي، والتي نصت على مراجعة عدد من التعريفات المرجعية، من بينها رفع تعويض الاستشارة لدى الطبيب العام من 80 إلى 150 درهماً، ولدى الطبيب الاختصاصي من 150 إلى 250 درهماً، غير أن هذه المقتضيات لم تجد طريقها إلى التنفيذ، ما أبقى المواطنين أمام عبء مالي متزايد عند كل زيارة أو علاج.
ويؤكد المهنيون أن استمرار هذا الوضع ينعكس سلباً على السياسة الوقائية في المجال الصحي، إذ يدفع عدداً من المواطنين إلى تأجيل الاستشارة الطبية أو التخلي عنها بسبب الكلفة المرتفعة، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفاقم الأمراض وتحولها إلى حالات أكثر تعقيداً وخطورة، تتطلب علاجات طويلة ومكلفة، سواء بالنسبة للمريض أو لمنظومة التأمين الصحي نفسها.
كما شدد المشاركون في الجمع العام على أن مراجعة التعريفة المرجعية لن تهدد التوازنات المالية للصناديق الاجتماعية كما يروج البعض، بل ستساهم في تعزيز فعالية منظومة الحماية الاجتماعية وتوسيع الاستفادة الحقيقية من التأمين الصحي الإجباري، خاصة في ظل الورش الملكي المتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية.
ويطرح هذا الجدل سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة السياسات الصحية الحالية على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب. فإذا كانت أسعار الخدمات والمواد والتجهيزات الطبية تعرف مراجعات مستمرة، فإن الإبقاء على تعريفة مرجعية جامدة لأكثر من عقدين يبدو، في نظر المهنيين، تناقضاً ينعكس مباشرة على جيوب المرضى وعلى حقهم الدستوري في الولوج إلى العلاج.
وفي انتظار الحسم في هذا الملف، يظل المواطن المغربي الحلقة الأضعف في معادلة تتداخل فيها الاعتبارات المالية والتدبيرية والمؤسساتية، بينما تتزايد المطالب بإصلاح عاجل يعيد التوازن بين كلفة العلاج ومستوى التعويضات، ويجعل من التغطية الصحية أداة فعلية للحماية الاجتماعية، لا مجرد آلية إدارية لا تواكب الواقع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد