هبة زووم – عبدالعالي حسون
لم تعد الحكامة الترابية تُقاس فقط بقدرة الجماعات على إنجاز المشاريع أو تعبئة الموارد المالية، بل أصبحت ترتبط، بالدرجة نفسها، بقدرتها على حماية ممتلكاتها وتدبيرها وفق مبادئ المشروعية والشفافية وحسن التدبير.
فالملك الجماعي ليس مجرد رصيد عقاري، بل هو رأسمال استراتيجي يمثل أحد أهم دعائم التنمية المحلية، وأي إخلال في تدبيره ينعكس مباشرة على المالية المحلية، وعلى قدرة الجماعة على تنفيذ برامجها التنموية.
وفي هذا الإطار، حرص المشرع المغربي على تعزيز الحماية القانونية للعقار الجماعي من خلال القانون رقم 57.19 المتعلق بنظام أملاك الجماعات الترابية، الذي جاء بمجموعة من المقتضيات الرامية إلى عقلنة تدبير هذا الرصيد والمحافظة عليه.
ومن أبرز هذه المقتضيات ما نصت عليه المادة 45، التي أعفت الجماعات الترابية من أداء واجبات المحافظة العقارية المرتبطة بعمليات التحفيظ والتقييد والإيداع المتعلقة بأملاكها، بهدف تشجيعها على تسوية وضعيتها العقارية وتحفيظ ممتلكاتها، بما يحد من مخاطر الاعتداء عليها أو ضياعها.
ويمثل هذا الإعفاء، من الناحية القانونية، خطوة مهمة لإزالة أحد العوائق المالية التي كانت تواجه بعض الجماعات، خاصة تلك التي تعاني محدودية الموارد. غير أن التجربة العملية أظهرت أن حماية الملك الجماعي لا تتوقف عند الإعفاء من الرسوم، بل ترتبط أساسًا بوجود إدارة عقارية مؤهلة، قادرة على الجرد والتحيين والتحفيظ وتتبع الوضعية القانونية للأملاك الجماعية.
فالعديد من الجماعات ما تزال تواجه اختلالات متراكمة، من بينها غياب وثائق الملكية، وعدم استكمال عمليات التحديد والتحفيظ، وتأخر تقييد العقود بالمحافظة العقارية، فضلاً عن تغير الأوضاع القانونية للعقارات نتيجة انتقال الملكية بالإرث أو بتصرفات قانونية لاحقة، وهو ما يؤدي إلى تعقيد المنازعات وإضعاف الحماية القانونية للملك الجماعي.
ولا تقف هذه الإكراهات عند الجانب التقني، بل تمتد إلى طريقة تدبير الإدارة الجماعية نفسها. فحماية العقار الجماعي تقتضي قرارات إدارية دقيقة، ومتابعة قانونية مستمرة، وتنسيقاً بين مختلف المصالح المختصة.
وهنا يبرز الدور المحوري للسلطة التنظيمية التي منحها القانون التنظيمي رقم 113.14 لرئيس الجماعة باعتباره المسؤول عن تنظيم الإدارة الجماعية وضمان حسن سير مرافقها.
غير أن هذه السلطة، على أهميتها، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لضمان حسن التدبير، فكلما مورست في إطار احترام الكفاءة، وتوزيع المسؤوليات، والاستناد إلى الخبرة القانونية والتقنية، تحولت إلى أداة لحماية المال العام.
أما إذا أُفرغت من بعدها المؤسساتي، وأصبحت رهينة للقرارات الفردية أو الاعتبارات غير الموضوعية، فإنها قد تضعف فعالية الإدارة، وتؤثر سلباً في تدبير الملفات العقارية، التي تعد من أكثر المجالات تعقيداً وحساسية داخل الجماعات الترابية.
كما أن تدبير العقار الجماعي لا يقتصر على المحافظة على الأملاك القائمة، بل يشمل حسن استغلالها، وضمان احترام مساطر التفويت والكراء والاحتلال المؤقت، بما يحقق المصلحة العامة ويحافظ على حقوق الجماعة.
فكل قرار يتعلق بالعقار الجماعي ينبغي أن يستند إلى قواعد المشروعية والشفافية والمنافسة، باعتبار أن الأمر يتعلق بمال عمومي يخضع لحماية قانونية خاصة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في سن نصوص قانونية جديدة، بقدر ما يتمثل في تفعيل المقتضيات القائمة، وتأهيل الموارد البشرية، وإرساء منظومة حديثة لتدبير الأملاك الجماعية تعتمد الرقمنة، والتحيين المستمر للسجلات العقارية، والتنسيق بين الجماعات والمحافظة العقارية، مع تعزيز آليات الافتحاص والرقابة.
إن حماية الملك الجماعي ليست مسؤولية تقنية فحسب، بل هي رهان مؤسساتي يرتبط بجودة الحكامة المحلية. فالعقار الذي تضيع وثائقه أو يُدبَّر خارج الضوابط القانونية لا يمثل خسارة مالية فقط، بل يفقد الجماعة إحدى أهم أدواتها لتحقيق التنمية.
ويبقى نجاح الجماعات الترابية رهيناً بقدرتها على الجمع بين إدارة عقارية حديثة، وسلطة تنظيمية تمارس في إطار القانون، ورؤية استراتيجية تجعل من حماية المال العام أولوية دائمة، لا مجرد إجراء إداري مرتبط بتسوية الملفات العقارية.
تعليقات الزوار