اليوسفية: المنصوري تُشهر ورقة القضاء في وجه اتهامات تضارب المصالح.. دفاع عن النزاهة أم هروب إلى المحاكم؟
هبة زووم – اليوسفية
في خرجة سياسية تحمل أكثر من رسالة، اختارت فاطمة الزهراء المنصوري، الأمينة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، الرد على تصاعد الاتهامات التي تطال بعض مسؤولي الحزب، خصوصاً تلك المرتبطة بشبهات تضارب المصالح، بالتلويح باللجوء إلى القضاء، مؤكدة أن «البام» لن يقبل، حسب تعبيرها، المساس بنزاهة مسؤوليه أو التشكيك في الثقة التي وضعها فيهم المواطنون.
لكن هذا الخطاب، الذي جاء خلال لقاء تواصلي نظمه الحزب بإقليم اليوسفية، الأربعاء 26 غشت 2026، يفتح في المقابل سؤالاً لا يقل أهمية عن الاتهامات نفسها: هل يكفي التلويح بالقضاء لإغلاق النقاش السياسي والأخلاقي حول تضارب المصالح، أم أن المسؤول العمومي مطالب، قبل كل شيء، بتقديم توضيحات شفافة للرأي العام؟
فاللجوء إلى القضاء حق مشروع، عندما يتعلق الأمر بالقذف أو الاتهامات الباطلة أو التشهير بالأشخاص. غير أن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإسكات كل نقاش مشروع حول تدبير الشأن العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمسؤولين منتخبين أو متقلدين لمهام عمومية.
المشكل في تضارب المصالح أنه ليس بالضرورة اتهاماً جنائياً جاهزاً، بل هو في جوهره سؤال يتعلق بالشفافية، وبحدود الفصل بين المسؤولية العمومية والمصالح الخاصة.
فالمواطن لا يطالب بإدانة أي مسؤول دون دليل، لكنه يملك الحق في السؤال: هل توجد مصالح خاصة يمكن أن تتقاطع مع القرار العمومي؟ وهل تم احترام القواعد القانونية والأخلاقية التي تؤطر هذه الحالات؟
وهنا يصبح الرد الحقيقي ليس فقط عبر بيانات سياسية أو دعاوى قضائية، وإنما عبر نشر المعطيات وتوضيح الوقائع وتمكين الرأي العام من كل ما يسمح بتكوين صورة واضحة، لأن المسؤول السياسي، بمجرد اختياره لتحمل مسؤولية عمومية، يصبح مطالباً بسقف أعلى من الشفافية.
وأكدت المنصوري أن دفاع الحزب عن مسؤوليه ليس دفاعاً عن أشخاص، بل عن الثقة التي وضعها فيهم الناخبون والمناضلون، وهو منطق مفهوم من الناحية الحزبية، لكن الدفاع عن الثقة لا يتحقق فقط بالرد على الخصوم، بل كذلك بضمان أن المسؤولين الحزبيين أنفسهم يخضعون للمساءلة والتقييم.
فالثقة السياسية لا يمكن أن تكون شيكاً على بياض يمنح للمسؤول لمدة خمس سنوات أو أكثر، بل هي عقد مستمر بين المنتخب والمواطن.
وكلما ظهرت تساؤلات مشروعة حول تدبير مسؤول أو حول احتمال وجود تضارب بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، فإن أفضل جواب ليس دائماً هو الهجوم المضاد، وإنما الوضوح.
ومن بين أكثر النقاط التي تستحق التوقف عندها في خطاب الأمينة العامة للأصالة والمعاصرة، دعوتها إلى عدم تقديم وعود بتحقيق جميع مطالب المواطنين، واعتبارها أن الوعد بتلبية 100 في المائة من الانتظارات هو نوع من الكذب على الناخبين.
وهو اعتراف سياسي مهم، خصوصاً في سياق انتخابي تعود فيه الوعود إلى الواجهة، وتتحول فيه مشاكل المواطنين أحياناً إلى عناوين لحملات انتخابية سرعان ما تختفي بعد إعلان النتائج.
لكن السؤال المطروح هو: هل ستلتزم الأحزاب فعلاً بهذا المنطق خلال الاستحقاقات المقبلة؟ لأن المواطن المغربي سئم لغة الوعود المفتوحة، ويريد بدل ذلك برامج محددة، بأرقام وآجال ومصادر تمويل، تمكنه لاحقاً من محاسبة من انتخبهم.
كما توقفت المنصوري عند اتفاقية ساهمت الوزارة في إطارها بمبلغ 550 مليون درهم لدعم الجماعات القروية، معتبرة أن هذه الخطوة من شأنها تعزيز قدراتها على الاستجابة لانتظارات السكان، غير أن ضخ الأموال وحده لا يكفي لصناعة التنمية.
فالتجربة المغربية مليئة بالمشاريع والبرامج والاتفاقيات التي أعلنت بأرقام ضخمة، بينما ظل السؤال دائماً: أين وصل التنفيذ؟ ومن استفاد؟ وما هو الأثر الحقيقي على حياة المواطنين؟ خصوصاً في مناطق ما زالت تعاني من مشاكل الطرق والماء والتطهير والنقل والصحة، وهي ملفات لا يمكن حلها بمجرد توقيع الاتفاقيات أو الإعلان عن المبالغ المالية.
إشادة المنصوري بالمجهودات المبذولة في مجال الطرق والبنيات التحتية بجهة مراكش-آسفي قد تكون جزءاً من الحصيلة التي يقدمها الحزب، لكن سكان اليوسفية وباقي المناطق لا يقيمون التنمية من خلال الخطابات السياسية، بل من خلال ما يلمسونه يومياً، فالطريق إما صالحة أو مهترئة، والماء إما يصل إلى المنازل أو ينقطع، والمستشفى إما يقدم العلاج أو يتحول إلى محطة انتظار.
ولهذا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تخرج من كل لقاء انتخابي ليست فقط أن الحزب «يدافع عن مسؤوليه»، وإنما أن المسؤولين مستعدون كذلك للدفاع عن حصيلتهم بالأرقام، ومواجهة الاختلالات بالحقائق، وتحمل المسؤولية عن ما لم يتحقق.
فبين التلويح بالقضاء في مواجهة الاتهامات، والدعوة إلى الشفافية والنزاهة، يبقى الاختبار الحقيقي أمام حزب الأصالة والمعاصرة وباقي الأحزاب واحداً: هل ستتحول شعارات النزاهة والحكامة إلى ممارسة قابلة للمساءلة؟ أم ستظل مجرد خطابات انتخابية تُرفع كلما اقترب موعد صناديق الاقتراع؟