هبة زووم – القنيطرة
فتح الصحفي بلعيد كروم، في تدوينة له، النار على التأخر الحاصل في إخراج تصميم التهيئة الخاص بمدينة القنيطرة، موجهاً سؤالاً مباشراً إلى عامل الإقليم حول مآل وثيقة طال انتظارها، في ظل استمرار الحديث عن الدراسات والتشاور دون أن يرى التصميم طريقه إلى الخروج بشكل نهائي.
وكتب كروم بلهجة لا تخلو من السخرية والحدة: “واش مناويينش تخرجو تصميم التهيئة الخاص بالقنيطرة؟ علاش هاد السنوات كاملة غير ديال الدراسة والتشاور؟ زعما عندنا المناجم والبراكين فهاد المدينة؟”، سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه يضع واحدة من أكثر الوثائق تأثيراً في مستقبل المدينة أمام امتحان حقيقي: لماذا كل هذا التأخير؟
فتصميم التهيئة ليس وثيقة تقنية عادية يمكن أن تبقى سنوات طويلة معلقة بين المكاتب والإدارات، إنه وثيقة تحدد إلى حد كبير مستقبل المجال الحضري، ومناطق البناء، والتجهيزات العمومية، وشبكة الطرق، والمناطق الخضراء، والاستعمالات العقارية، وبالتالي فإن أي تأخر في إخراجه تكون له انعكاسات مباشرة على المدينة والاستثمار والمواطنين.
ومن هنا، فإن استمرار الحديث عن “الدراسة والتشاور” لسنوات يطرح أكثر من علامة استفهام، هل يتعلق الأمر فعلاً بتعقيدات تقنية وإدارية تبرر هذا المسار الطويل؟ أم أن الملف أصبح ضحية بطء المساطر وتعدد المتدخلين؟ أم أن هناك حسابات أخرى لا علاقة لها بالتقنيات والهندسة العمرانية؟
بلعيد كروم ذهب أبعد من ذلك عندما لمح إلى وجود صراع بين لوبيات العقار حول تصميم التهيئة، متسائلاً عن رغبة كل طرف في ترك “بصمته” عليه، وهذه النقطة، تحديداً، تستحق جواباً مؤسساتياً واضحاً.
فإذا كانت هناك مجرد تنافسات مشروعة حول اختيارات التعمير، فلتُعرض للرأي العام بكل شفافية. وإذا كانت هناك مصالح عقارية متضاربة تحاول التأثير في مخرجات تصميم التهيئة، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة، لأن وثيقة يفترض أن تخدم المصلحة العامة لا يمكن أن تتحول إلى ساحة لتصفية حسابات المصالح الخاصة.
تصميم التهيئة يجب أن يُرسم على أساس حاجيات المدينة، لا على مقاس أصحاب النفوذ العقاري، والقنيطرة، التي تعرف توسعاً عمرانياً وضغطاً متزايداً على العقار، تحتاج إلى رؤية واضحة لمستقبلها، لا إلى وثيقة تبقى معلقة إلى أجل غير مسمى.
المواطن يريد أن يعرف: أين ستتجه المدينة؟ أين ستقام المدارس والمرافق الصحية؟ أين ستفتح الطرق؟ أين ستخصص المساحات الخضراء؟ ما هي المناطق المخصصة للسكن؟ وما هي المجالات التي ستبقى محمية من الزحف العمراني؟ والمستثمر بدوره يحتاج إلى رؤية واضحة ومستقرة، لأن الغموض في وثائق التعمير يعني ببساطة غموضاً في الاستثمار.
أما استمرار الوضع الحالي، حيث يظل الجميع ينتظر خروج التصميم دون موعد واضح، فإنه يفتح الباب أمام التأويلات والإشاعات، ويجعل كل تأخر وقوداً لمزيد من الشكوك، لذلك، فإن الكرة اليوم في ملعب السلطات المختصة، وعلى رأسها عامل الإقليم والجهات المتدخلة في إعداد واعتماد الوثيقة.
المطلوب ليس فقط الإعلان عن أن التصميم “قيد الدراسة”، لأن هذه العبارة فقدت الكثير من معناها بعد سنوات من الانتظار، وإنما تقديم معطيات دقيقة حول مراحله، والإكراهات التي تعترضه، والآجال المتوقعة لإخراجه، والجهات التي تتحمل مسؤولية كل مرحلة.
أما إذا كان التصميم جاهزاً، فلماذا لا يتم الكشف عنه؟ وإذا لم يكن جاهزاً، فما الذي يمنع ذلك؟ وإذا كانت هناك خلافات حول مضمونه، فمن حق سكان القنيطرة أن يعرفوا طبيعة هذه الخلافات، طالما أن الأمر يتعلق بمستقبل مدينتهم.
فالمدينة ليست ملكاً للوبيات العقار، ولا للإدارة، ولا للمستثمرين وحدهم، القنيطرة ملك لسكانها، وتصميم تهيئتها يجب أن يكون وثيقة للمصلحة العامة، لا ورقة تتجاذبها المصالح في الكواليس.
وفي انتظار خروج الحقيقة إلى العلن، يبقى سؤال بلعيد كروم معلقاً في الهواء: هل تحتاج القنيطرة فعلاً إلى كل هذه السنوات من الدراسة والتشاور، أم أن هناك شيئاً آخر يجعل تصميم التهيئة يتأخر كل هذا الوقت؟ السؤال الآن ليس متى ستنتهي الدراسات فقط، وإنما: من المستفيد من استمرار الانتظار؟
تعليقات الزوار