هبة زووم – زاكورة
في خضم سباق انتخابي تتسابق فيه الأحزاب والمرشحون على استمالة الناخبين، اختار فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن يرفع منسوب الخطاب السياسي بزاكورة، مقدماً ما سماه «الكونطرا اللي كيجمعنا معكم»، في إشارة إلى البرنامج الانتخابي الذي يقدمه الحزب للمواطنين باعتباره تعاقداً سياسياً يفترض أن يتحول إلى التزامات قابلة للتنفيذ.
لقجع، الذي تحدث خلال لقاء تواصلي حضرته قيادات «البام» بإقليم زاكورة، تعهد بمواصلة العمل من أجل خدمة مصالح المغاربة والمغرب، وبذل كل ما يملك من جهد وقوة لتنفيذ الالتزامات التي يضعها الحزب أمام المواطنين، غير أن الخطاب الانتخابي، مهما بلغت قوة عباراته، يظل في نهاية المطاف مطالباً بالخروج من دائرة الكلام إلى دائرة الفعل، خصوصاً في منطقة مثل زاكورة التي لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى أجوبة عملية عن ملفات مزمنة.
فالحديث عن “مغرب واحد يسير بسرعة فائقة”، واستحضار مشروع القطار فائق السرعة باعتباره نموذجاً لتسريع التنمية، يصطدم بسؤال بسيط لكنه ثقيل: هل تسير جميع مناطق المغرب بالسرعة نفسها؟
في زاكورة، لا تبدو معركة التنمية مرتبطة فقط بسرعة القطارات، وإنما أيضاً ببطء معالجة أزمة الماء، وبالحاجة إلى حماية النشاط الفلاحي، وفك العزلة عن المناطق التي ما زالت تنتظر نصيبها من الربط والتنمية، وهي ملفات أشار إليها لقجع نفسه، ما يجعلها اختباراً حقيقياً لأي «كونطرا» سياسي يُعرض على المواطنين.
ولم يخف القيادي في «البام» طموح حزبه إلى قيادة الحكومة، مستحضراً حصول الحزب على المرتبة الثانية في مناسبتين انتخابيتين دون أن يتمكن من تصدر الانتخابات. وهي إشارة تكشف بوضوح أن المعركة لا تتعلق فقط بالحصول على مقاعد برلمانية، وإنما بالوصول إلى موقع القرار التنفيذي، حيث تتحول البرامج من وثائق انتخابية إلى سياسات عمومية يفترض أن يشعر المواطن بنتائجها.
لكن هنا تحديداً يبدأ الامتحان الأصعب، فطلب التصويت بكثافة، والتأكيد على أن المشاركة الانتخابية مسؤولية جماعية، لا يكفي وحده لإقناع المواطن. الناخب اليوم لا يسمع الوعد فقط، بل يريد أن يعرف من سيتحمل المسؤولية عندما لا يتحقق الوعد، وما هي آليات المحاسبة، وما الذي سيحدث إذا بقي «الكونطرا» مجرد خطاب انتخابي ينتهي بانتهاء الحملة.
أما أزمة الماء التي وضعها لقجع ضمن الأولويات، فهي ليست ملفاً جديداً اكتشفه السياسيون مع اقتراب موعد الاقتراع. إنها قضية ترتبط مباشرة بمستقبل مناطق واسعة وبالزراعة وبالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للسكان، وبالتالي فإن طرحها انتخابياً يفرض تقديم حلول واضحة، بآجال محددة ومؤشرات قابلة للقياس، وليس الاكتفاء بالتشخيص.
والأمر نفسه ينطبق على فك العزلة والتنمية المجالية. فالمواطن في المناطق البعيدة لا يحتاج إلى أن يسمع فقط أن المغرب «يسير بسرعة فائقة»، بل يريد أن يرى هذه السرعة في الطريق والماء والصحة والتعليم والنقل وفرص الشغل والاستثمار.
من هنا، فإن عبارة “الكونطرا اللي كيجمعنا معكم” قد تتحول إلى أقوى اختبار للبام ومرشحيه: فالعقد السياسي الحقيقي ليس ما يقال فوق المنصات، وإنما ما يمكن للناخب أن يعود إليه بعد سنوات ليقول: هذا ما وعدتم به، وهذا ما أنجزتموه.
ولذلك، فإن زاكورة لا تحتاج إلى وعود أكثر بقدر ما تحتاج إلى تعاقد سياسي واضح، قابل للقياس والمحاسبة. أما الوصول إلى الحكومة، فليس نهاية الطريق، بل بداية الامتحان الحقيقي، فالناخب يمنح الثقة، لكن الدولة والمواطن معاً يحتاجان إلى شيء أكبر من الثقة: حصيلة، نتائج، وشفافية في الحساب.
تعليقات الزوار