المحمدية: الهنكارات والمستودعات السرية تتمدد ببني يخلف والعامل المالكي يقف عاجزا أمام الفوضى؟

هبة زووم – أحمد الفيلالي
لم تعد الفوضى العمرانية التي تضرب جماعة بني يخلف بإقليم المحمدية مجرد مشاهد متفرقة يمكن اختزالها في بناية هنا أو هنكار هناك، بل أصبحت، وفق المعطيات المتداولة محلياً، نتيجة لمسار طويل امتد لسنوات، وراكم اختلالات عمرانية وترابية باتت اليوم أكثر تعقيداً من مجرد قرار بالهدم أو حملة مراقبة موسمية.
فمنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، تقول معطيات محلية، إن جماعة بني يخلف عرفت توسعاً عمرانياً لم يواكبه، بالصرامة المطلوبة، ضبط فعلي لاستعمالات الأراضي واحترام قوانين التعمير، ومع مرور السنوات، اتسعت رقعة البناء غير المنظم، وظهرت بنايات وهياكل حديدية وهنكارات ومستودعات، بعضها داخل مجالات ذات طابع فلاحي، بما يطرح أسئلة ثقيلة حول المسؤولية عن حماية المجال الترابي.
اليوم، يبدو المشهد وكأنه حصيلة أخطاء متراكمة لا يمكن تحميلها لمرحلة واحدة أو مجلس جماعي واحد، بل يفرض فتح نقاش جدي حول أداء مختلف المتدخلين، من السلطات المحلية وأجهزة المراقبة إلى المجالس الجماعية المتعاقبة والجهات المكلفة بالتعمير.
فإذا كانت هذه البنايات قد ظهرت في وضح النهار، وبعضها ــ وفق ما يروج محلياً ــ شُيد خلال ساعات الليل، فالسؤال البديهي هو: أين كانت أجهزة المراقبة؟ ومن كان يفترض أن يوقف الأشغال في بدايتها، قبل أن تتحول بناية مخالفة إلى منشأة قائمة يصعب التعامل معها؟
المفارقة أن التحركات التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة، من خروج لجان للمراقبة إلى هدم أو إزالة أجزاء من بعض المنشآت، تبدو بالنسبة إلى عدد من المتابعين أقرب إلى محاولة لمعالجة نتائج سنوات من التراكم، بدل أن تكون سياسة استباقية تمنع المخالفة قبل أن تتحول إلى أمر واقع.
وهنا يجد عامل إقليم المحمدية، المالكي، نفسه أمام ملف لا يحتمل المعالجة بمنطق الحملات المؤقتة، فالمطلوب ليس فقط هدم بعض الهنكارات التي أصبحت ظاهرة للعيان، وإنما تحديد كيف نشأت هذه الوضعية، ومن سمح باستمرارها، وكيف تمكنت بنايات ومنشآت وأنشطة مختلفة من التوسع داخل المجال الترابي للجماعة دون أن تواجه، في وقتها، التدخل الحازم الذي يفرضه القانون.
كما أن المسؤولية لا ينبغي أن تُختزل في السلطة الحالية وحدها، فالمجالس الجماعية التي تعاقبت على بني يخلف مطالبة بدورها بتقديم إجابات حول تدبير المجال الترابي، ومدى قدرتها على مواكبة التوسع العمراني، وحماية الأراضي ذات الاستعمال الفلاحي، والتصدي لتحول مناطق سكنية وفلاحية إلى فضاءات للتخزين والأنشطة غير المنظمة.
المشكلة اليوم أن الفوضى، متى طال أمدها، تتحول من مخالفة فردية إلى واقع اجتماعي واقتصادي يصعب تفكيكه. وكلما تأخر التدخل، ارتفعت كلفة التصحيح، وظهرت إشكالات جديدة مرتبطة بحقوق أصحاب المنشآت، ومصالح السكان، والاستعمالات العقارية، والمسؤوليات الإدارية.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه على عامل المحمدية والسلطات المختصة ليس: كم هنكاراً تم هدمه؟ بل: كيف وصلنا إلى هنا أصلاً؟ ومن المسؤول عن السماح بتراكم هذا الكم من الاختلالات العمرانية؟ وهل توجد تقارير ومحاضر ومراسلات سابقة توثق المخالفات وتحدد المسؤوليات؟ وهل تمت مساءلة كل من كانت له صلاحية قانونية في مراقبة الأشغال ومنع المخالفات؟
إن معالجة بني يخلف لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد عملية تجميل للمشهد عبر هدم بعض المنشآت، بينما تظل الأسباب التي أنتجت الفوضى قائمة.
المطلوب اليوم افتحاص حقيقي لمسار التعمير بالجماعة، وجرد شامل للبنايات والهنكارات والأنشطة القائمة، وتحديد المسؤوليات الإدارية والمنتخبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتكرر القاعدة نفسها: غض طرف لسنوات، ثم تدخل متأخر عندما يصبح الإصلاح أكثر صعوبة وكلفة.
فإذا كانت السلطة قد قررت أخيراً أن تضع حداً للبناء العشوائي في بني يخلف، فإن عليها أن تبدأ من السؤال الأصعب: من تركه يتمدد طوال هذه السنوات؟ لأن هدم الهنكار أسهل بكثير من هدم منظومة كاملة من الصمت والتردد وسوء التدبير.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد