المال والمنافع في قلب السباق الانتخابي بفاس والوالي أيت طالب أمام مسؤولية المراقبة

هبة زووم – فاس
مع اقتراب موعد الاقتراع، تعود إلى واجهة المشهد الانتخابي بمدينة فاس أحاديث وشكايات وتقارير تتعلق بمحاولات استمالة بعض الناخبين بالمال أو بالمنافع، في مشهد يعيد طرح واحد من أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية المغربية: هل يستطيع صوت المواطن أن يبقى خارج منطق البيع والشراء الانتخابي؟
في فاس، يبدو أن بعض العقليات الانتخابية لم تستوعب بعد أن المواطن ليس «زبوناً» في سوق موسمي، وأن صوته ليس سلعة قابلة للمساومة، وأن الانتخابات ليست مناسبة لاسترجاع الاستثمارات الشخصية التي أنفقت خلال الحملات.
والأخطر أن الحديث عن المال الانتخابي لم يعد، بحسب المعطيات المتداولة، مجرد كلام عابر في المقاهي أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أثيرت خلال الأسابيع الأخيرة شكايات وتقارير بشأن محاولات استمالة ناخبين، وحملات انتخابية سابقة لأوانها، فضلاً عن شبهات مرتبطة باستعمال بعض المعطيات للوصول إلى الأسر والناخبين.
وبطبيعة الحال، تبقى هذه المعطيات مجرد ادعاءات وشبهات تحتاج إلى التحقق من الجهات المختصة، ولا يجوز تحويلها إلى أحكام بالإدانة في غياب قرارات أو نتائج تحقيق رسمية.
لكن مجرد عودة هذه المؤشرات إلى الواجهة كاف لطرح أسئلة جدية حول فعالية آليات المراقبة، وحول مدى قدرة الإدارة الترابية على ضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين وحماية إرادة الناخبين.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات المختصة، وفي مقدمتها السلطات الإدارية والقضائية، كل في حدود اختصاصاته. فوالي جهة فاس-مكناس، خالد أيت طالب، يجد نفسه أمام اختبار مؤسساتي عنوانه الأساسي ليس دعم مرشح أو حزب، وإنما ضمان احترام القواعد نفسها على الجميع، والتعامل مع أي شكاية أو معطى قابل للتحقق بالجدية التي تقتضيها حساسية المرحلة.
فالحياد الإداري لا يقاس فقط بما تقوله البلاغات، وإنما أيضاً بمدى سرعة ووضوح التعامل مع أي ادعاء يتعلق باستغلال النفوذ أو المال أو وسائل غير مشروعة للتأثير في إرادة الناخبين.
والسؤال الأكبر ليس فقط: من يحاول شراء الصوت؟ بل: ماذا يحدث بعد شراء ذلك الصوت، إذا ثبتت الممارسة؟ لأن الخطر الحقيقي لا ينتهي عند لحظة الاقتراع. فإذا أصبح المرشح مديناً لمن موّل حملته أو لمن اشترى ولاءات انتخابية من حوله، فقد تتحول العلاقة بين المنتخب والمواطن، بعد إعلان النتائج، إلى علاقة مختلفة تماماً؛ علاقة لا يكون فيها النائب أو المسؤول مديناً للناخبين وحدهم، وإنما لشبكات الدعم التي ساعدته على الوصول.
وهنا تتراجع السياسة لصالح منطق الاستثمار والصفقة، فالانتخابات التي يفترض أن تكون مناسبة للتنافس حول البرامج والسياسات تتحول، في هذا السيناريو، إلى سوق انتخابية: أموال ومنافع في مقابل أصوات، ووعود ظرفية في مقابل ولاءات، بينما تبقى القضايا الحقيقية التي تشغل المواطنين معلقة في الهواء: الصحة، والتعليم، والشغل، والقدرة الشرائية، والنقل، والسكن، والتقاعد، والعدالة المجالية.
وإذا كانت بعض العقليات تراهن فعلاً على إعادة إنتاج هذه الممارسات، فإن الزمن الانتخابي تغير. الهاتف المحمول حاضر، والتوثيق أصبح أسهل، والمواطن لم يعد مجرد متلقٍ لما يجري، بل بات قادراً على نقل الوقائع إلى الرأي العام والجهات المختصة.
لكن التوثيق الرقمي، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يحل محل المؤسسات، فالفصل في المخالفات الانتخابية يظل من اختصاص الجهات المخولة قانوناً، والتحقيق هو الطريق الطبيعي للتمييز بين الادعاء والواقعة الثابتة.
لهذا فإن الأنظار تتجه إلى فاس ليس فقط لمراقبة نتائج الصناديق، وإنما أيضاً لمراقبة كيفية حماية الصناديق من أي تأثير غير مشروع قبل أن يصل إليها الصوت.
فالمواطن لا يحتاج إلى من يشتري صوته، وإنما إلى من يقنعه ببرنامجه. ولا يحتاج إلى من يقدم له منفعة عابرة، وإنما إلى منتخب يشعر بعد نجاحه بأنه مدين للناس الذين منحوه ثقتهم.
أما “حليمة” الانتخابية التي قد تحاول العودة إلى عاداتها القديمة، فعليها أن تدرك أن زمن الانتخابات تغير، وأن القانون موجود، وأن المؤسسات مطالبة بأن تكون يقظة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي أمام سلطات فاس والجهات المختصة: هل ستُفحص كل الشكايات والمعطيات المتعلقة باستمالة الناخبين بالمال أو المنافع بالجدية والسرعة اللازمتين، حتى يكون الاقتراع تعبيراً عن إرادة الناخبين لا نتيجة لقدرة البعض على الإنفاق؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد