تزكيات كلميم.. حين يصبح تجديد النخب مجرد تغيير في الأسماء والواجهات

هبة زووم – كلميم
في كلميم، لم يعد النقاش حول التزكيات الانتخابية مجرد حديث عن أسماء ستظهر على أوراق الاقتراع، بل تحول إلى نقاش أوسع حول معايير صناعة المرشح، وحدود الولاء الحزبي، وتجديد النخب، وعلاقة النفوذ الإداري بالمشهد الانتخابي.
فالتزكية، التي يفترض أن تكون ترجمة لثقة التنظيم في كفاءة المرشح ومساره وقدرته على تمثيل المواطنين، تبدو في نظر منتقدين وكأنها تحولت في بعض الحالات إلى جواز عبور نحو البرلمان.
ومن لا يجد مكاناً داخل حزب، يبحث عن مكان في حزب آخر. ومن لا تناسبه دائرة انتخابية، يبحث عن دائرة أخرى. ومن لا يحصل على التزكية، قد يبحث عن قيادة حزبية أخرى.
وهكذا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل نحن أمام أحزاب تصنع مشروعاً سياسياً، أم أمام مرشحين يبحثون عن الحزب الذي يضمن لهم أفضل فرصة انتخابية؟
المفارقة أن الخطاب الحزبي يتحدث باستمرار عن التشبيب وتجديد النخب وفتح المجال أمام الكفاءات، لكن المواطن قد يجد نفسه أمام مشهد مختلف: وجوه جديدة بالفعل، لكن بعضها يحمل أسماء عائلية مألوفة، أو ينتمي إلى شبكات سياسية واجتماعية ظلت حاضرة لسنوات.
وهنا لا يتعلق الأمر بمنع أبناء السياسيين أو أقاربهم من ممارسة العمل العام، فذلك سيكون ظلماً وتمييزاً غير مبرر، ابن السياسي ليس مسؤولاً عن اسم عائلته، كما أن الكفاءة لا تسأل صاحبها عن نسبه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الرصيد العائلي من مجرد امتداد اجتماعي إلى آلية لإنتاج النفوذ السياسي، وعندما تصبح العلاقات والولاءات أهم من الكفاءة والبرنامج والحضور الميداني، عندها لا نكون أمام تجديد حقيقي للنخب، وإنما أمام تجديد للواجهة مع استمرار آليات النفوذ نفسها.
والأكثر إثارة للجدل هو أن بعض الخطابات السياسية ترفع شعارات المبادئ والاستقلالية والديمقراطية، بينما تكشف حركة الانتقالات الحزبية وتبدل التحالفات أن المواقف قد تصبح، في بعض الحالات، شديدة الارتباط بحسابات التزكية والترشيح، وهنا يصبح المواطن أمام سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إذا كانت المبادئ ثابتة، فلماذا تتغير بسرعة عندما تتغير التزكية؟
أما الحديث عن وجود رعاية أو دعم إداري لمسارات انتخابية معينة، بما في ذلك ما يُتداول بشأن دور والي جهة كلميم واد نون، فلا ينبغي أن يتحول إلى حكم مسبق دون أدلة. لكن مجرد تداول هذه الاتهامات يفرض على الجهات المعنية، إذا كانت ترى أنها تمس نزاهة العملية الانتخابية، تقديم التوضيحات اللازمة، لأن حياد الإدارة لا يحتمل الغموض ولا يترك للمجال السياسي كي يملأ الفراغ بالشائعات.
وإذا كانت هناك وقائع محددة تتعلق بتدخل موظفين أو مسؤولين في دعم مرشحين، فالمطلوب هو تقديم الوقائع والوثائق وفتح التحقيق عبر المؤسسات المختصة، لا الاكتفاء بالخطاب الانتخابي.
ثم هناك السؤال الأكثر حساسية: المال الانتخابي، فكل موسم انتخابي يعيد إلى الواجهة أحاديث عن مبالغ مالية وشبكات دعم وعمليات استقطاب، وتنتشر أرقام وتقديرات بين المواطنين، بينما يظل الجزء الأكبر منها في دائرة الكلام غير الموثق.
وهنا أيضاً لا تكفي الأقاويل. فإذا كانت هناك مؤشرات جدية على استعمال المال للتأثير في إرادة الناخبين، فإن الأمر يستوجب التحقق والتبليغ والتحقيق، لأن شراء الأصوات لا يفسد فقط المنافسة بين المرشحين، بل يضرب أساس العلاقة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة.
التزكية ليست شيكاً على بياض، والمرشح الذي يحصل على تزكية حزبه لا يحصل معها على أصوات المواطنين، كما أن الحزب الذي يمنح التزكية لا يملك صندوق الاقتراع.
القرار النهائي يبقى للناخب، وهذا هو الجانب الذي قد يغفل عنه بعض الفاعلين السياسيين عندما يتعاملون مع الانتخابات وكأنها عملية حسابية مغلقة بين القيادات والمرشحين وشبكات النفوذ.
فالشارع يتذكر من كان هنا بالأمس وأصبح هناك اليوم، ومن رفع شعاراً ثم ناقضه عندما تغيرت مصلحته الانتخابية، ومن وعد بالإصلاح ثم اختفى بعد الوصول إلى المؤسسة المنتخبة، والناخب ليس رقماً في دفتر الحسابات، ولا ورقة انتخابية يمكن استمالتها بمجرد حملة انتخابية مكلفة.
وفي كلميم، كما في غيرها من مناطق المغرب، يبقى السؤال الحقيقي أكبر من أسماء المرشحين: هل تستطيع الأحزاب أن تقدم جيلاً جديداً من النخب على أساس الكفاءة والاستحقاق والشفافية، أم أن المشهد سيظل يدور حول إعادة تدوير النفوذ والوجوه والشبكات؟
فالسياسة ليست إرثاً عائلياً، والتزكية ليست ميراثاً، والمقعد البرلماني ليس ملكية حزبية، والصندوق ليس ملكاً للزعيم ولا للمرشح ولا لأي شبكة نفوذ.
إنه ملك للناخب وحده، والناخب، مهما حاول البعض التأثير عليه، يظل الطرف الوحيد الذي يستطيع في النهاية أن يقول: هذا يستحق ثقتي، وهذا لا يستحقها، وهنا تبدأ الديمقراطية الحقيقية… لا عند باب التزكية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد