هبة زووم – طنجة
لم تنتهِ قصة مدرسة القدس بحي كاساباراطا بطنجة بمجرد إغلاق مكتب التصويت وانتهاء يوم الاقتراع، بل يبدو أن ما جرى خلال الساعات الأولى من انتخابات 23 شتنبر 2026 دخل مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما تحولت الواقعة من احتجاجات واتهامات متبادلة إلى ملف قضائي تتواصل بشأنه الأبحاث تحت إشراف النيابة العامة.
فبحسب معطيات نشرتها مصادر إعلامية، ارتفع عدد الموقوفين على ذمة التحقيق في القضية إلى أربعة أشخاص، في وقت تتواصل فيه الأبحاث للكشف عن مصدر أوراق التصويت وظروف وجودها داخل مركز الاقتراع وتحديد المسؤوليات المحتملة، وكانت الشرطة قد وضعت في مرحلة سابقة ثلاثة أشخاص رهن الحراسة النظرية، من بينهم رئيسا مكتبين انتخابيين بالمركز نفسه.
وتعود بداية القضية إلى تداول صور ومقاطع فيديو من مدرسة القدس، أظهرت أغلفة بيضاء داخل صندوق زجاجي، وسط احتجاج ممثلي عدد من اللوائح الانتخابية، قبل أن تتدخل السلطات وتفتح النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بطنجة بحثاً قضائياً بهدف الوقوف على حقيقة ما جرى وترتيب الآثار القانونية على ضوء نتائجه.
ووفق معطيات إعلامية نشرت في الساعات الأولى للواقعة، فقد تم توقيف شخص داخل مركز الاقتراع للاشتباه في حيازته أوراق تصويت غير قانونية، فيما تحدثت مصادر أخرى عن أوراق تحمل علامات مسبقة على رمز حزب الأصالة والمعاصرة، غير أن طبيعة هذه الأوراق ومصدرها والغاية من وجودها، تبقى جميعها عناصر يفترض أن تحددها التحقيقات وليس التداول السياسي أو مواقع التواصل الاجتماعي.
الأكثر إثارة في الملف هو أن التحقيق لم يتوقف عند الشخص الذي جرى توقيفه في البداية، بل تطور إلى وضع أشخاص آخرين رهن الحراسة النظرية، قبل إحالة ثلاثة مشتبه فيهم، بينهم رئيسا مكتبي اقتراع، على النيابة العامة صباح 25 شتنبر، وفق مصادر إعلامية.
وهذا التطور يرفع سقف الأسئلة حول ما حدث فعلاً داخل مركز الاقتراع: من أين جاءت الأوراق؟ ومن كان يتوفر عليها؟ وكيف وصلت إلى محيط أو داخل مكتب التصويت؟ وهل يتعلق الأمر بتصرف فردي معزول، أم أن التحقيق سيكشف عن امتدادات أخرى؟*
أسئلة كثيرة، لكن لا يمكن تحويلها إلى اتهامات مسبقة، لأن الموقوفين والمشتبه فيهم يستفيدون من قرينة البراءة إلى حين صدور قرارات قضائية نهائية.
في المقابل، دخل حزب الأصالة والمعاصرة على خط القضية، رافضاً ما وصفه بـ«الحملة المغرضة والمفتعلة»، فيما قدم عبد اللطيف الغلبزوري، وكيل لائحة الحزب بطنجة-أصيلة، رواية تنفي علاقة الحزب بالشخص الذي تم توقيفه، موضحاً أن حضوره إلى ولاية أمن طنجة كان، بحسب روايته، من أجل تقديم شكاية بشأن ما اعتبره تشهيراً بالحزب.
وتتعارض هذه الرواية مع ما نشرته بعض المنابر في الساعات الأولى للواقعة حول الاستماع إلى مسؤولين حزبيين، وهو ما يجعل تحديد ما جرى داخل ولاية الأمن أيضاً جزءاً من الصورة التي تحتاج إلى توضيح رسمي أو قضائي.
وفي خضم هذه الروايات المتضاربة، يبقى الأهم هو ألا تتحول القضية إلى مادة للمزايدة الحزبية أو لتصفية الحسابات الانتخابية. فوجود أوراق انتخابية مشبوهة، إذا ثبتت الوقائع المرتبطة بها، مسألة تتعلق مباشرة بسلامة العملية الانتخابية، ولا ينبغي أن تختزل في صراع بين الأحزاب.
القضية تكتسي حساسية إضافية لأنها جاءت في يوم اقتراع يفترض أن تحكمه قواعد واضحة تضمن سرية التصويت وسلامة الصناديق وحياد المتدخلين.
ولهذا فإن الرأي العام لا يحتاج إلى روايات متنافسة بقدر ما يحتاج إلى الحقيقة الكاملة: ما الذي حدث في مدرسة القدس؟ ومن يقف وراء الأوراق التي أثارت هذه الضجة؟ وهل كانت الواقعة مجرد محاولة فردية، أم أن التحقيقات ستكشف عن شبكة أوسع؟
وفي المقابل، فإن ربط الواقعة بحزب أو مرشح بعينه دون دليل قضائي نهائي يبقى أمراً سابقاً لأوانه، خصوصاً أن الحزب المعني نفى علاقته بالواقعة، كما أن البحث القضائي ما يزال جارياً.
الأكيد أن القضية لم تعد مجرد حادث عابر في يوم انتخابي. فقد انتقلت إلى مسار قضائي، وتوسعت دائرة الأبحاث، وأصبح المطلوب الآن ليس تبادل الاتهامات، وإنما كشف الحقيقة كاملة وترتيب المسؤوليات، إن ثبتت، وفق القانون.
فإذا كانت الواقعة مجرد تصرف فردي، فليُكشف ذلك للرأي العام بوضوح. وإذا أظهرت التحقيقات وجود تنسيق أو تورط أشخاص آخرين، فمن حق المواطنين معرفة الحقيقة أيضاً.
في مدرسة القدس، لم يعد السؤال فقط: ماذا وُضع داخل الصندوق؟ بل أصبح السؤال الأكبر: من وضعه، ولماذا، ومن كان يعلم، ومن يتحمل المسؤولية؟ والجواب، هذه المرة، يفترض أن يأتي من التحقيق والقضاء، لا من الحملات الانتخابية ولا من مواقع التواصل الاجتماعي.
تعليقات الزوار