هبة زووم – بركان
لم يكن احتلال لائحة حزب العدالة والتنمية المرتبة الرابعة في الدائرة الانتخابية ببركان مجرد رقم عابر في جدول النتائج بالنسبة إلى «مصباح» الإقليم، بل كان مناسبة لإعادة فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في أي استحقاق انتخابي: هل تجري المنافسة فعلاً وفق قواعد متكافئة، أم أن المال والنفوذ والوسائل التدبيرية قادرة على تغيير اتجاه البوصلة الانتخابية؟
ففي أول رد له على النتائج شبه الرسمية، اختارت الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية أن تقدم رواية مزدوجة؛ فمن جهة، أكدت أن حملتها كانت “نظيفة”، وأنها اعتمدت على الإمكانات الذاتية والقانونية والتطوع والقرب من المواطنين، ومن جهة أخرى وجهت اتهامات ثقيلة إلى بعض الأحزاب التي تصدرت النتائج، متحدثة عن شراء الذمم واستغلال الوسائل والمواقع التدبيرية للتأثير على إرادة الناخبين.
وهنا لا يعود الأمر مجرد “خسارة انتخابية” يمكن تجاوزها ببلاغ حزبي، لأن الحديث عن شراء الأصوات واستعمال النفوذ، إن ثبت بالأدلة، يعني وضع العملية الانتخابية برمتها أمام سؤال مشروع حول تكافؤ الفرص.
المرتبة الرابعة التي آلت إليها لائحة «المصباح» تفرض على الحزب، سياسياً وتنظيمياً، أكثر من مجرد الاحتجاج على ما جرى، فالحزب مطالب أولاً بقراءة الأرقام كما هي، ومراجعة أسباب عدم تمكن خطابه من تحويل حضوره التنظيمي والتأطيري الذي يتحدث عنه إلى نتيجة انتخابية تضعه ضمن الفائزين.
لكن ذلك لا يلغي، في المقابل، حق الحزب في إثارة أي خروقات يعتقد أنها أثرت في العملية الانتخابية، خصوصاً إذا كانت لديه شكايات ووثائق ومحاضر يمكن عرضها على المؤسسات المختصة.
وهنا تحديداً تكمن قوة أو ضعف الرواية التي قدمها “مصباح” بركان: الاتهام السياسي شيء، والإثبات القانوني شيء آخر، فحين يتحدث الحزب عن «شراء الذمم»، وعن استغلال مواقع تدبيرية ووسائل للتأثير على الناخبين، فهو لا يطرح مجرد ملاحظة انتخابية، وإنما يوجه اتهامات من شأنها، إذا ثبتت، أن تضع نتائج المنافسة نفسها تحت المجهر.
الكتابة الإقليمية لم تتوقف عند مرحلة الحملة، بل تحدثت عن «أحداث وممارسات» شهدها يوم الاقتراع، واعتبرت أنها قد تكون أثرت في إرادة الناخبين وحرية اختيارهم وسلامة العملية الانتخابية.
والأكثر أهمية أن الحزب أكد أن السلطات القضائية والمحلية تجاوبت مع شكاياته في حينها، قبل أن يدعو إلى فتح تحقيق «جدي ومسؤول».
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً: إذا كانت الشكايات قد وُضعت فعلاً لدى الجهات المختصة، فما الذي انتهت إليه؟ ومن هم الأشخاص أو الجهات موضوع تلك الشكايات؟ وما طبيعة الوقائع التي تم التبليغ عنها؟ وهل توجد محاضر أو تسجيلات أو معطيات ميدانية يمكن أن تثبتها أو تنفيها؟
هذه ليست أسئلة ترفية، لأن سمعة الانتخابات لا تُحمى ببيانات الأحزاب، كما لا تُحمى أيضاً بالصمت عن الشكايات الجدية.
المفارقة أن حزب العدالة والتنمية لا يقدم نفسه، في بيانه، باعتباره حزباً يرفض نتيجة الصندوق، بل يؤكد أنه يتجه إلى طي هذه المحطة بعد استنفاد حقه القانوني، ويعلن في الوقت ذاته احتفاظه بحقه في اللجوء إلى المساطر القانونية المتاحة.
وهذا يعني أن الحزب يضع نفسه أمام اختبار حقيقي: إما أن تتحول الاتهامات التي أطلقها إلى ملفات موثقة أمام المؤسسات المختصة، أو أن تبقى مجرد خطاب سياسي أعقب نتيجة لم تكن في صالحه.
أما الاكتفاء بالتشكيك من دون تقديم الأدلة، فلن يضيف شيئاً إلى النقاش العام، وقد يسمح للخصوم بالقول إن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة لتفسير نتيجة انتخابية غير مرضية.
وفي الاتجاه المقابل، فإن تجاهل الشكايات أو التقليل من شأنها من دون بحث جدي قد يكون أكثر خطورة، لأنه يترك الباب مفتوحاً أمام الشكوك حول نزاهة المنافسة.
ورغم مرارة النتيجة بالنسبة إلى الحزب، حاولت الكتابة الإقليمية تقديم صورة مختلفة عن الهزيمة، بالتأكيد على أن محطة الانتخابات سبقتها فترة طويلة من الاشتغال المؤسساتي والتأطير والتنظيم، وبأن مناضلي الحزب ومتعاطفيه أبانوا عن «نضالية عالية ونكران للذات».
وهي رسالة موجهة أساساً إلى الداخل الحزبي: الخسارة الانتخابية لا تعني نهاية التنظيم، لكن السياسة لا تقاس فقط بحجم الجهد المبذول، وإنما بمدى قدرة ذلك الجهد على إقناع الناخب وتحويل الحضور الميداني إلى أصوات ومقاعد.
وهنا قد يكون على «مصباح» بركان أن يخوض مراجعة مزدوجة: مراجعة داخلية لأسباب النتيجة، ومراجعة قانونية لكل ما يقول إنه شاب العملية الانتخابية، أما الاكتفاء بأحد المسارين دون الآخر، فلن يكون كافياً.
الرسالة الأكثر أهمية التي خرجت من بيان العدالة والتنمية ببركان ليست أن الحزب خسر، فهذا أمر تحسمه الأرقام، وإنما أن الحزب يقول إن هناك ممارسات تحتاج إلى التحقيق.
ومن هنا، فإن الكرة تنتقل إلى المؤسسات، إذا كانت الوقائع المبلغ عنها مجرد تأويلات سياسية، فإن التحقيق سيضع حداً لها، وإذا كانت هناك خروقات موثقة، فإن القانون يجب أن يحدد المسؤوليات والآثار القانونية المترتبة عنها.
أما أن تبقى عبارات من قبيل “شراء الذمم” و”استغلال النفوذ” و”التأثير على إرادة الناخبين” معلقة في الهواء، فذلك لن يخدم لا الحزب ولا منافسيه ولا الناخبين.
فالانتخابات ليست فقط إعلان فائزين وخاسرين، إنها أيضاً امتحان لقدرة المؤسسات على الإجابة عن الأسئلة الصعبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحرية الاختيار وتكافؤ الفرص.
وفي بركان، يبدو أن «المصباح» خسر مقعداً انتخابياً، لكنه فتح في المقابل ملفاً أكبر من المقعد نفسه، فهل ستبقى الاتهامات مجرد كلام انتخابي أعقب خسارة، أم ستتحول إلى ملفات وأدلة ونتائج تحقيق؟ هنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي.
تعليقات الزوار