معزوز والاستقلال.. سبعة مقاعد مفقودة تفتح دفتر الحساب السياسي بالدار البيضاء–سطات

هبة زووم – أحمد الفيلالي
في السياسة، قد تنجح الخطب في تأجيل الأسئلة، وقد تنجح التبريرات في تخفيف وقع الهزيمة، لكن هناك لحظة تصبح فيها الأرقام أقوى من كل البلاغات، وتتحول النتائج الانتخابية إلى مرآة لا تسمح كثيراً بالمناورة.
وهذه هي اللحظة التي يجد فيها حزب الاستقلال نفسه بجهة الدار البيضاء–سطات أمام سؤال ثقيل: ماذا حدث للتنظيم الذي كان يحصد 16 مقعداً برلمانياً سنة 2021، ولماذا انتهى في انتخابات 2026 إلى تسعة مقاعد فقط؟
فالنتيجة ليست مجرد فرق حسابي بسيط. الأمر يتعلق بفقدان سبعة مقاعد في واحدة من أهم الجهات انتخابياً وسياسياً واقتصادياً بالمغرب، في الوقت الذي تراجع فيه رصيد الحزب وطنياً من 81 مقعداً سنة 2021 إلى 65 مقعداً سنة 2026، وفق النتائج الرسمية.
وبذلك، فإن جهة الدار البيضاء–سطات تتحمل وحدها جزءاً مهماً من التراجع الوطني المسجل للحزب، وهو ما يجعل من الصعب التعامل مع النتيجة باعتبارها مجرد “ظرف انتخابي” عابر أو خسارة عادية يمكن طيها ببلاغ حزبي عابر.
من 16 إلى 9.. ماذا حدث؟
في انتخابات 2021، استطاع الاستقلال أن يحجز لنفسه 16 مقعداً بالجهة، في نتيجة عكست آنذاك عودة قوية للحزب إلى واحدة من أكبر خزاناته الانتخابية. وكانت الصحافة قد وصفت تلك النتيجة حينها باستعادة الحزب لجزء من حضوره السياسي بالجهة.
لكن بعد خمس سنوات، تغير المشهد بشكل واضح، تسعة مقاعد فقط في 2026، سبعة مقاعد اختفت من الرصيد البرلماني الجهوي.
والسؤال هنا ليس من فاز ومن خسر فقط، وإنما من كان مسؤولاً عن تدبير التنظيم، واختيار المرشحين، وبناء التحالفات، والحفاظ على القواعد الانتخابية، وإدارة العلاقة مع المناضلين والمنتخبين؟
فمنذ تولي عبد اللطيف معزوز مسؤولية التنسيق الجهوي للحزب، إلى جانب موقعه كعضو في اللجنة التنفيذية ورئيس لمجلس جهة الدار البيضاء–سطات، أصبحت مسؤوليته السياسية والتنظيمية جزءاً طبيعياً من أي نقاش جدي حول حصيلة الحزب بالجهة، دون أن يعني ذلك تحميله وحده كل أسباب النتيجة. وقد أفادت مصادر صحفية في أكتوبر 2024 بأن معزوز أصبح المنسق الجهوي للحزب بالدار البيضاء–سطات بعد تجريد فؤاد قديري من هذه الصفة.
هل تكفي المقاعد التي بقيت لتغطية حجم التراجع؟
المشكلة ليست في أن الاستقلال حافظ على تسعة مقاعد؛ فهذا في حد ذاته حضور برلماني قائم، ولا ينبغي تجاهله، لكن المشكلة السياسية تكمن في سؤال آخر: هل ينبغي قياس النجاح بعدد المقاعد المتبقية فقط، أم بحجم القوة التي استطاع التنظيم الحفاظ عليها وتطويرها؟
فالسياسة الحزبية ليست عملية إنقاذ لبعض الأسماء من الخسارة، وإنما هي قدرة على بناء تنظيم متماسك، واستقطاب الكفاءات، والحفاظ على المنتخبين، وتجديد النخب، وتوسيع قاعدة الناخبين، وتحويل الحضور المؤسساتي إلى قوة انتخابية مستدامة.
وحين يفقد حزب سبعة مقاعد في جهة واحدة، فإن السؤال يصبح أكبر من مصير هذا المرشح أو ذاك، وأكبر من حسابات دائرة انتخابية بعينها، إنه سؤال التدبير الجهوي برمته.
التزكيات.. أين يبدأ الخلل وأين تنتهي المسؤولية؟
ومن الملفات التي تستحق فتح النقاش أيضاً طريقة تدبير التزكيات واختيار المرشحين، ففي مرحلة ما قبل الانتخابات، أثيرت داخل الأوساط الحزبية والإعلامية تساؤلات حول معايير اختيار بعض الأسماء وحول طبيعة التوازنات التي حكمت عملية الترشيح، وهذه النقاشات، ما لم تدعمها وثائق أو شهادات صريحة من أصحابها، تظل قراءات وانتقادات سياسية لا يجوز تحويلها إلى وقائع ثابتة.
لكن النتيجة الانتخابية نفسها تفرض إعادة طرح السؤال بشكل أكثر جدية: هل كانت الاختيارات التنظيمية والسياسية التي سبقت 23 شتنبر قادرة فعلاً على حماية رصيد الحزب؟ وهل تمت قراءة الخريطة الانتخابية للجهة بما يكفي؟ وهل جرى الإنصات إلى القواعد والمناضلين والمنتخبين قبل الوصول إلى لحظة الاقتراع؟ وهل كانت التزكيات مبنية على معايير انتخابية وتنظيمية واضحة، أم أن الحسابات الداخلية كانت حاضرة بقوة في بعض الحالات؟ هذه ليست اتهامات، وإنما أسئلة سياسية مشروعة تفرضها حصيلة انتخابية موثقة.
سلمى العالمي.. مقعد محفوظ أم نجاح انتخابي؟
أما الجدل الذي رافق مقعد الدائرة الجهوية واسم سلمى العالمي، فلا ينبغي أن يتحول إلى معركة روايات، المؤكد أن حزب الاستقلال حافظ على مقعده في الدائرة الجهوية، وأن سلمى العالمي حلت ثالثة من حيث عدد الأصوات في هذه الدائرة بحصولها على 117 ألفاً و601 صوت، وفق النتائج المنشورة، في وقت حصل الحزب على مقعد واحد ضمن المقاعد الجهوية المخصصة للجهة.
أما الحديث عن «ضمان» المقعد مسبقاً أو ربط ذلك بقرار تنظيمي أو شخصي، فيبقى ادعاءً يحتاج إلى دليل، وهنا بالضبط ينبغي الفصل بين ما تقوله الروايات الحزبية وما تقوله صناديق الاقتراع.
الصناديق تقول إن المقعد الجهوي بقي، لكنها تقول أيضاً إن سبعة مقاعد أخرى لم تبق، وهذا هو الجزء الذي لا يمكن القفز فوقه.
هل حان وقت الحساب داخل الاستقلال؟
ليس المقصود بالحساب هنا العقاب أو تصفية الحسابات الشخصية، وإنما المساءلة السياسية والتنظيمية التي يفترض أن تكون جزءاً من الحياة الداخلية لأي حزب ديمقراطي.
فإذا كان الحزب قد خسر وطنياً 16 مقعداً، فإن خسارة سبعة منها في جهة الدار البيضاء–سطات تفرض فتح نقاش حقيقي حول الأسباب، من يتحمل مسؤولية الاستراتيجية الانتخابية؟ من يقيّم أداء التنسيقية الجهوية؟ هل ستتم مراجعة طريقة تدبير التنظيم؟ هل ستُفتح ملفات التزكيات والاختيارات الانتخابية؟ هل ستتم مساءلة المسؤولين عن الإخفاقات التنظيمية، كما تتم الإشادة بهم عندما تتحقق النتائج؟ وهل ستكتفي القيادة بالقول إن الحزب ما زال يتوفر على تسعة مقاعد، أم ستتعامل مع فقدان سبعة مقاعد باعتباره إنذاراً تنظيمياً يستحق التشخيص والمعالجة؟
هذه الأسئلة لا تستهدف شخصاً بعينه، بقدر ما تستهدف منطق المسؤولية داخل حزب سياسي يفترض أن تكون فيه المواقع التنظيمية مرتبطة بالحصيلة والمحاسبة.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر إزعاجاً هو نفسه الأبسط: إذا كانت النتائج الجيدة تُنسب إلى نجاح القيادة، فمن المنطقي أيضاً أن تخضع النتائج المتراجعة للنقاش والمساءلة.
وحزب الاستقلال بجهة الدار البيضاء–سطات أمام أرقام واضحة: 16 مقعداً سنة 2021، وتسعة فقط سنة 2026، وبين الرقمين توجد سبع خسارات انتخابية.
والكرة الآن في ملعب القيادة الاستقلالية: هل ستُفتح صفحة نقد ذاتي حقيقية لتشخيص ما وقع، أم سيتم الاكتفاء بقراءة النتيجة باعتبارها مجرد محطة انتخابية عابرة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد