هبة زووم – الرباط
أعاد الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري فتح ملف التعامل الرسمي مع ضحايا الهجرة غير النظامية، من خلال مقارنة لاذعة بين إعلان إسبانيا الحداد على ضحايا حادث اصطدام قطارين، وبين ما اعتبره صمتاً مغربياً إزاء مأساة شباب لقوا حتفهم خلال محاولتهم الوصول إلى سبتة المحتلة في نهاية يوليوز الماضي.
وفي تدوينة جديدة، لا يتوقف الكنبوري عند اختلاف ردود الفعل الرسمية تجاه حادثين مأساويين، بل يحول المقارنة إلى مساءلة سياسية وأخلاقية أوسع، تتعلق بمكانة المواطن داخل الدولة، ومدى حضور كرامته في القرارات والمواقف الرسمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشباب انتهت حياتهم وهم يحاولون مغادرة بلدهم بحثاً عن أفق آخر.
ويرى الباحث أن إعلان الحداد العام في إسبانيا، وفق ما أورده في تدوينته، يعكس ثقافة سياسية تجعل التعامل مع مآسي المواطنين جزءاً من مسؤولية الحكومة أمام المجتمع، بينما يعتبر أن غياب موقف مماثل في المغرب يطرح أسئلة محرجة حول قيمة المواساة الرسمية، وحدود الاعتراف بمعاناة الضحايا وأسرهم.
وينطلق الكنبوري من حادث اصطدام قطارين في إسبانيا، الذي أشار إلى أنه خلف نحو ستين قتيلاً، معتبراً أن إعلان الحداد لثلاثة أيام يشكل تعبيراً عن الاعتراف الجماعي بالفاجعة، وتكريماً للضحايا ومواساة لعائلاتهم.
وفي المقابل، يستحضر مأساة الشباب الذين لقوا حتفهم خلال محاولتهم الهجرة إلى سبتة، منتقداً ما يصفه بغياب تفاعل رسمي يوازي حجم المأساة، خاصة في ظل ما أثاره الحادث من أسئلة بشأن ظروف الوفاة، والتعامل مع جثامين الضحايا، ومعاناة الأسر التي فقدت أبناءها.
ويضع الباحث هذا التباين في صلب نقاشه، معتبراً أن الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على تدبير الأزمات أو فرض القوانين، بل أيضاً بمدى استعدادها للاعتراف بآلام مواطنيها، ومنح الضحايا وعائلاتهم ما يستحقونه من اهتمام واحترام.
فالمأساة الإنسانية، وفق هذا المنظور، لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد واقعة عابرة في سجل الأحداث، ولا أن يُختزل التعامل معها في إجراءات إدارية تتعلق باستعادة القاصرين أو تدبير ملف الهجرة، بينما تبقى الأسئلة المرتبطة بمن فقدوا حياتهم وبحقوق أسرهم في المعرفة والمواساة معلقة.
يربط الكنبوري بين اختلاف التعامل مع الضحايا وطبيعة النظام السياسي، معتبراً أن الديمقراطية والانتخابات وآليات المحاسبة تفرض على الحكومات الانتباه إلى ردود فعل المجتمع تجاه القرارات والمواقف الرسمية.
وبحسب قراءته، فإن الحكومة التي تدرك أنها تخضع للمساءلة السياسية والشعبية تجد نفسها مطالبة بإظهار التعاطف وتحمل المسؤولية عند وقوع المآسي، لأن تجاهل مشاعر المواطنين قد يتحول إلى مصدر للاحتجاج والمحاسبة الانتخابية.
أما حين يشعر المواطن بأن صوته لا يغير شيئاً في القرار العام، فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع تصبح، في نظر الباحث، أكثر اختلالاً، وقد يتحول غياب التفاعل الرسمي إلى رسالة سلبية مفادها أن معاناة المواطن لا تحظى بالمكانة التي تستحقها.
ويختصر الكنبوري هذه الفكرة بعبارة حادة مفادها أن من لا يملك القدرة على التأثير في القرار لا يجد دائماً من يدافع عن قضيته أو ينقل معاناته إلى دوائر المسؤولية.
وهي قراءة تضع المسؤولية السياسية والمحاسبة في قلب مفهوم المواطنة، وتدعو إلى تجاوز التعامل مع المواطن باعتباره مجرد موضوع للسياسات العمومية، نحو اعتباره طرفاً أساسياً في تحديدها ومراقبة نتائجها.
الأكثر إيلاماً في تدوينة الكنبوري هو ربطه بين مأساة الموت في طريق الهجرة والشعور بالاضطرار إلى مغادرة الوطن. فهو يرى أن محاولة هؤلاء الشباب الوصول إلى الضفة الأخرى لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها خرقاً لقوانين الهجرة، بل ينبغي أيضاً النظر إليها من زاوية اجتماعية وإنسانية، تطرح أسئلة عن الأمل في المستقبل، والإحساس بالانتماء، ومدى قدرة السياسات العمومية على توفير شروط العيش الكريم.
ولا يعني هذا الطرح تبرير مخاطر الهجرة غير النظامية أو التقليل من مسؤولية شبكات الاتجار بالبشر والتهريب، بل يسلط الضوء على ضرورة عدم اختزال الضحايا في وضعهم القانوني، أو التعامل مع وفاتهم باعتبارها نتيجة متوقعة لا تستوجب مساءلة أو مواساة.
فخلف كل ضحية أسرة تنتظر معرفة الحقيقة، وحق في تحديد ظروف الوفاة، واحترام الجثمان، وتيسير إجراءات إعادته ودفنه، فضلاً عن ضرورة التواصل المسؤول مع ذوي الضحايا، وهذه كلها اعتبارات إنسانية لا ينبغي أن تتوقف على طبيعة موقف الضحية من قوانين الهجرة أو اختياره مغادرة بلده.
وفي هذا السياق، يثير الكنبوري مسألة دفن بعض الضحايا خارج المغرب، معتبراً أنها تزيد من قسوة المأساة على الأسر، وتستدعي اهتماماً رسمياً واضحاً، لا يقتصر على معالجة الجانب الإداري للواقعة.
لا يكتفي الكنبوري بانتقاد غياب الحداد، بل يذهب إلى اعتبار أن الصمت الرسمي قد يُقرأ باعتباره موقفاً من الشباب الذين اختاروا المخاطرة بحياتهم من أجل الهجرة. ويستحضر في ختام تدوينته بيتاً شعرياً يعبر عن الانسحاب من علاقة لا تقوم على الاهتمام المتبادل، في إحالة إلى ما يعتبره شعوراً متنامياً بالاغتراب داخل الوطن.
وتكشف هذه الخاتمة عن جوهر رسالته: إن الأزمة لا تتعلق بالحداد في حد ذاته، بل بما يمثله من اعتراف رمزي بقيمة الإنسان، وبما إذا كانت الدولة تنظر إلى مواطنيها باعتبارهم أصحاب حقوق وكرامة، أم باعتبارهم مجرد أرقام في تقارير الحوادث والهجرة.
ومع ذلك، فإن المقارنة بين ردود الفعل الرسمية في البلدين تظل بحاجة إلى التمييز بين السياقات المختلفة لكل حادث، كما أن غياب إعلان الحداد لا يكفي وحده للحكم على مجمل تعامل المؤسسات مع الضحايا، لكن ذلك لا يلغي مشروعية مساءلة السلطات بشأن التواصل مع الأسر، وكشف ملابسات الوفيات، وضمان احترام حقوق الضحايا وذويهم.
في النهاية، يضع الكنبوري الدولة أمام سؤال يتجاوز البروتوكول الرسمي: هل تقتصر مسؤوليتها على تدبير الحدود والهجرة، أم تشمل أيضاً الاعتراف بآلام مواطنيها، حتى عندما يموتون وهم يحاولون مغادرة البلاد؟
إن كرامة المواطن لا ينبغي أن ترتبط بقدرته على التأثير في الانتخابات، ولا أن تصبح المواساة الرسمية امتيازاً تمنحه الحسابات السياسية أو تحجبه. فالدولة التي تحترم مواطنيها هي التي تجعل الإنسان وحقوقه في صلب سياساتها، سواء كان حياً يطالب بمستقبل أفضل، أم ضحية تستحق أن تُصان كرامتها، أم أسرة تنتظر كلمة مواساة وحقيقة لا لبس فيها.
تعليقات الزوار