هبة زووم – الرباط
لم تكن استقالة محمد بنموسى من حزب التقدم والاشتراكية مجرد مغادرة عادية لفاعل سياسي أنهى ارتباطه بتنظيم حزبي، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة مع قيادة الحزب، بعدما اختار رئيس حركة «ضمير» توجيه رسالة مطولة ومباشرة إلى الأمين العام نبيل بنعبد الله، وضع فيها طريقة تدبير القيادة للاستحقاقات الانتخابية ومفاوضات تشكيل الحكومة تحت مجهر النقد والمساءلة.
بنموسى، الذي تحدث عن أربع سنوات من العمل والنضال داخل الحزب، أكد أنه ساهم في إعداد تصوره للبرنامج الحكومي للفترة 2027-2031، قبل أن يقرر مغادرة التنظيم، في خطوة لم يخف أنها تأتي نتيجة خلافات سياسية وتنظيمية يعتبرها مرتبطة بتراجع الحزب عن التزاماته ومبادئه، وبما وصفه باختلالات في تدبير المرحلة السياسية الراهنة.
في رسالته، استحضر بنموسى الإرث التاريخي لحزب التقدم والاشتراكية، رابطاً إياه بتجربة مؤسسه علي يعته واستمرارية قيادته مع مولاي إسماعيل العلوي، محذراً من أن ما يجري في ظل القيادة الحالية قد يسيء إلى رصيد الحزب التاريخي وصورته السياسية.
ولم يتوقف عند حدود النقد التنظيمي، بل وضع مسألة المشاركة الحكومية في صلب المواجهة، معتبراً أن الحصول على حقيبة وزارية أو موقع في المسؤولية العمومية لا يمكن أن يكون مبرراً للتراجع عن مبادئ الشفافية والأخلاق والوفاء بالالتزامات، كما ميز بين العمل السياسي باعتباره خدمة للصالح العام، وبين ما وصفه بالسعي إلى الحفاظ على المواقع عبر المناورات والتفاهمات السياسية.
وفي تصعيد واضح، وجه انتقادات إلى طريقة تدبير نبيل بنعبد الله للمفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، متهماً إياه باحتكار الظهور الإعلامي، وإدارة المفاوضات في غموض، دون تفويض من اللجنة المركزية، وبما يخدم ضمان موقع له داخل الحكومة. وهي اتهامات تظل منسوبة إلى صاحب الرسالة، وتستدعي توضيح موقف قيادة الحزب بشأنها.
ومن بين الملفات التي أعاد بنموسى إبرازها، موقفه من المحروقات ومصفاة «سامير» والسيادة الطاقية، معتبراً أن تراجع قيادة حزب الاستقلال، التي غادرها سنة 2022، عن مواقفها في هذه القضايا كان وراء قراره السابق بمغادرة ذلك التنظيم.
كما أقر بوجود طموح سياسي لديه لتولي مسؤولية وزارية أو تشريعية، لكنه قدم ذلك باعتباره رغبة في توظيف خبرته الاقتصادية لخدمة الاقتصاد الاجتماعي والاقتصاد الحر، متسائلاً عن جدوى إخفاء الطموحات السياسية في العلن، بينما يجري السعي إلى تحقيقها في الكواليس.
ولم تحصر الرسالة نفسها في تصفية الخلاف مع قيادة الحزب، بل تحولت إلى وثيقة سياسية تتضمن حزمة واسعة من المطالب الموجهة إلى الحكومة الجديدة، إذ دعا بنموسى إلى اتخاذ قرارات خلال أول مائة يوم، تشمل تخليق الحياة العامة، ومحاربة تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، ونشر تقارير الافتحاص المرتبطة بعدد من البرامج والصفقات العمومية.
كما طرح مقترحات في قطاعات الصحة والتشغيل والتعليم، من بينها توسيع التغطية الصحية، وتوظيف أطر طبية وتمريضية ومدرسين، وتقليص الاكتظاظ داخل المؤسسات التعليمية، إلى جانب إجراءات ضريبية واجتماعية، ومقترحات لمعالجة ملف مصفاة «سامير» وتعزيز السيادة الطاقية.
وفي الشق السياسي والحقوقي، دعا إلى الإفراج عن الصحفيين ومعتقلي الحراك ونشطاء جيل «زد»، وتفعيل المؤسسات الدستورية المعنية بالمناصفة والشباب والأسرة، مؤكداً ضرورة ممارسة الحكومة لصلاحياتها الدستورية كاملة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الأكثر دلالة في رسالة بنموسى هو انتقاله من نقد حزب التقدم والاشتراكية إلى التشكيك في قدرة النموذج الحزبي القائم على تجديد نفسه من الداخل. فقد اعتبر أن البنية الحزبية الحالية أصبحت متجاوزة، مستحضراً ما أورده بشأن ضعف المشاركة في انتخابات 23 شتنبر 2026، ومعلناً فتح حركة «ضمير» أبوابها أمام فئات واسعة ممن وصفهم بالتائهين سياسياً.
ويقترح بنموسى، في هذا السياق، إعادة النظر في الإطار القانوني للأحزاب، وتخليق الحياة العامة، وإصلاح المنظومة الانتخابية، من خلال إجراءات تشمل تجديد القيادات، ومحاربة تضارب المصالح، وحماية المبلغين عن الفساد، وإعادة النظر في آليات تنظيم الانتخابات ومشاركة مغاربة العالم.
رسالة بنموسى تضع حزب التقدم والاشتراكية أمام أسئلة تتجاوز خلافاً بين شخصين، وتتعلق بطبيعة القرار الحزبي، وحدود التفويض التنظيمي، وموقع المبادئ السياسية في حسابات المشاركة الحكومية. كما تضع الأمين العام نبيل بنعبد الله أمام ضرورة توضيح موقف القيادة من الاتهامات التي وردت في الرسالة، خصوصاً ما يرتبط بتدبير المفاوضات الحكومية والالتزامات الانتخابية.
وبين من يعتبر الاستقالة موقفاً احتجاجياً على اختيارات القيادة، ومن قد يقرأها باعتبارها بداية مشروع سياسي جديد، يبقى السؤال المطروح: هل تنجح حركة «ضمير» في تحويل خطابها النقدي إلى بديل تنظيمي وسياسي قادر على استقطاب المواطنين، أم أن المشهد الحزبي المغربي سيظل يدور في حلقة الاستقالات والانشقاقات وإعادة إنتاج الخلافات نفسها؟
وفي جميع الأحوال، لم يغادر بنموسى الحزب بصمت؛ بل اختار أن يجعل من خروجه مناسبة لفتح ملفات سياسية واقتصادية وتنظيمية ثقيلة، واضعاً قيادة التقدم والاشتراكية أمام اختبار الرد والتوضيح، في مرحلة تتزايد فيها الأسئلة حول مستقبل الأحزاب وقدرتها على استعادة ثقة المواطنين.
تعليقات الزوار