الباندية: من المخيال الشعبي الى الممارسة السياسية

كريم السعيدي

الحكاية الشعبية،بحسب الموسوعة العربية، شكل من أشكال التعبير الشفوي، تسرد سلسلة من الأحداث المتخيلة، ويكون الهدف منها أخلاقياً.
وقداعتبرها عبدالرحمن الدوسري من أهم عناصر المأثور الشعبي، نظراً لثراء مادتها وارتباطها بالقيم الفنية والجمالية.
فقد تم انتشارها على نطاق واسع وانتقالها بحرية من شخص إلى آخر ومن جيل إلى جيل عن طريق الرواية الشفوية.

وتروي احدى الحكايات عزم مجموعة من “الباندية”القيام بعملية سرقة لقطيع من المواشي، الخاص بالعم أحمد، لكن دون ترك أي دليل يشير الى هويتهم أو علاقتهم بالعملية.
لذلك اهتدوا الى حيلة جهنمية تسعى الى تشكيك المستهدف انطلاقا من ترديد نفس العبارة مع اختيار محكم للزمان والمكان.
فكان يوم التسوق، يوما مثاليا، اذ يقصد العم السوق، والذي يبعد مسافة ليست بالهينة، لبيع أغنامه.
فبمجرد خروجه من الدوار، التقاه أحد هؤلاء، فسأله قائلا: الى أين تسوق هذه الكلاب؟ فرد العم هذه ليست كلابا، انها من خيرة أكباشي، فكان الرد استهزائيا: وهل تظن أيها العجوز أن هذه الكلاب أكباشا حقيقية ومظى في سيره.
وماهي الا أمتارا حتى صادفه فرد آخر من المجموعة ويردد نفس السؤال ونفس الملاحظة.
.
.
.
وهكذا كانت العملية، محاولة لزرع الشك في نفسية العم أحمد وجعله يتيقن أن ما أمامه سوى كلاب.
ومع توالي الأمتار وتوالي ملاحظات، دب الشك الى فكره وتفكيره، وقال ما هذا الذي أتيت به الى السوق فرمى بالعصا التي كان يهش بها وقفل عائدا الى بيبته.

ان القيام بعملية “مسح”للأوراش التي تولت هذه الحكومة الانكباب عليها، فسيقودنا الى وجود حركية في الاصلاحات، منذ توليها.
فاصلاح القضاء وقوانين تنظيم المالية العمومية، القانون الجديد للمالية والمرسوم الجديد للصفقات العمومية، والحديث عن دفاتر التحملات بخصوص الاعلام، بالاضافة الى العديد من اوراش الاصلاح التي تهم النسيج الاجتماعي، حركية داخل المجتمع المدني و مشاركة اكثر من سبعة الاف جمعية في الحوار الوطني.
ناهيك عن اصلاح قطاع الخدمة العمومية وما رافقها من اعادة الاعتبار للخدمة العمومية وذلك بتكافؤ الفرص في التشغيل وكذا الغاء التوظيف المباشر .
كما أن هناك كذلك حركية اصلاحات على مستوى تنزيل الدستور اعتماد قانونين، قانون التنظيمي لعمل الحكومة والقانون التنظيمي لتقصي الحقائق، الى جانب ذلك فهناك انجازات يلمسها المواطن المغربي مباشرة مثل الزيادة في قيمة التقاعد، وكذا الزيادة في قيمة المنح الجامعية حيث ارتفعت قيمة المنح الجامعية الى الضعف وكذلك تضاعف عدد المستفيدين من المنح الجامعية والسعي الى تعميمها.
.
.
.
.
فلماذا يقابل هذا بحالة من الإنكار التام من طرف ثلة من السياسيين؟؟؟هل هذه لا تعتبر انجازات أم أنهم لا يريدوناعتبارها كذلك؟ أم أن الأمر يشبه ما قامت به تلك “المجموعة” مع العم أحمد؟؟

ففي البلدان الديموقراطية، بعد كل انتخابات تتفرغ المعارضة للقيام بدراسات وتعد تصورات أو مبادرات استعدادا للانتخابات المقبلة لتطرح ذلك على الناخب.
واذا اقتنع، هذا الأخير بما قامت به الحكومة المنتهية ولايتها يعيد التصويت عليها، أما اذا لم يقتنع فسيصوت على برنامج لهيئة أو هيآت أخرى.
وهذا هو السؤال الجوهري: هل نريد ترسيخ ثقافة ديمقراطية يكون المواطن في محورها قادر على الاختيار أم أننا سنواصل مسلسل مصادرة حقه في ذلك؟ ان ما نشهده اليوم هو مسرحية مضحكة و مبكية في الآن نفسه، لماذا؟ لأن التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي تجعل من الممارسات القديمة في المجال السياسي القائمة على الحشد غير مستساغة.
خاصة وأن وسائل التواصل الاجتماعي فعلت فعلتها في ذهنية المواطن العادي قبل المتتبع، وجعلت من أية محاولة لصناعة رأي عام حول هذه القضية أو تلك تحقق نتائج نسبية، و ذلك نتيجة عدم صدقية الخطاب أو القول.
فلماذا يا ترى؟ ان ما قدمته السنين الأخيرة لذهنية المواطن وطريقة تفكيره يجعل العديد من الأسئلة تطرح نفسها أو يقوم بطرحا هو بذاته، ذلك أن كل من المجال السياسي والنقابي والجمعوي رسخوا قابلية الاغتناء السريع لبعض المشتغلين به.
اذ أصبحت مظاهر الغنى واليسر تظهر فجأة على العديد من المشتغلين بهذه المجالات.
وأمام عدم قدرتهم على تبرير ذلك، اما نتيجة غياب المساءلة أو ضعف الوازع الأخلاقي لديهم، يجعل النتيجة نفسها تخلخل عنصر الثقة لدى المواطن تجاه هذه المجالات والمشتغلين بها.

لكن لا أحد ينكر اهتمام فئة واسعة جدا من المغاربة بالمجال السياسي مؤخرا، كيفما كان تقييمنا لجودة الخطاب المقدم، وذلك لكون النقاش بدا محتدما وحادا بلغ درجة من تجاوز حدود اللياقة الديموقراطية ان صح التعبير.
هذا الاهتمام نابع من طبيعة الاصلاحات التي قدمنها سابقا وان كان الاقرار بعدم رقيها الى طموحات هذا الشعب، فانها تدشن لمسلسل ديموقراطي حقيقي يتماشى مع ما يحمله مفهوم المواطن من دلالات وأبعاد.

ان الوضع الذي تتباكى عليه العديد من وسائل الإعلام وثلة ممن ينصبون أنفسهم مدافعين أو منتقدين له، يسائلنا جميعا.
هذا الوضع لم يخلق فجأة، فتشكله كان أمام أعيينا جميعا، فأين كانت أعين كاميرات القنوات؟ وأين كانواهؤلاء؟ لكن الخطير في الأمر أن ما يحاول البعض اليوم ترسيخه، من تطاول على المؤسسات وتجاوز الخطاب السياسي لمستوى الحدود المقبولة.
.
.
لا أحد يستطيع قياس مدى تأثيره على ذهنية المواطن العادي في المستقبل.
.
.

 

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد