هل يقلل ركوب الدراجة الهوائية من قيمة راكبيها ؟؟
حميد طولست
ما أن قرأت الخبر المتعلق بركوب السيسي -المترشح لرآسة مصر- دراجته الهوائية فى شوارع التجمع الخامس ، والذي وصلني عبر بريدي الالكتروني، ضمن عشرات الرسائل التي عادة ما كنت أحذف أغلبها دون قراءة ، حتى هرعت إلى حاسوبي للكتابة عن الدراجة سبب تلك الضجة التي افتعلتها وسائل الإعلام المصرية على نطاق واسع ، معتبرة أن ركوبها أمر خارق وغريب ، بينما هو أمر عادي وطبيعي بين مواطني البلدان المتقدمة التي عرفت هذا الاختراع “الدراجة” مند ظهوره الأول بفرنسا عام 1791م ، لهدف التسلية والترفيه والرياضة واستهلال أوقات الفراغ ، وقبل أن تطور من شكله البدائي الذي كان أشبه بحصان خشبي يتحرك بواسطة عجلتين خشبيتين ، يركبها الشخص مثل ركوب الأحصنة أو الحمير ويدفعها للأمام بضرب قدميه على الأرض وهو ممسك بمقابض وضعت فوق العجلة الأمامية ، وصولا إلى وضعه الحالي المتطور والذي أصبح وسيلة للانتقال السريع والمريح بالعديد من الدول الأوربية والأمريكية ، حيث شاع استعماله بين علية القوم وسامي الموظفين بها ، من عمداء المدن ومدراء الشركات والسفراء والوزراء ورؤساء الحكومات والحكومات أوباما وساركوزي على سبيل المثال لا الحصر ، وعمدة لندن وهو ذاهب إلى عمله ، دون أن ينقص ذلك من قدره ، بل يزيده هيبة ووقارا ، أو كما فعلت سفيرة الدنمارك لدى النمسا “ليزولته بليسنر”، التي حضرت هذا العام أول اجتماع لرئيس جمهورية النمسا دكتور هاينز فيشر، راكبة دراجتها الهوائية البسيطة الحمراء ، والتي ركنتها بين سيارات السفراء الرسمية الفخمة أمام مقر رئيس الجمهورية النمساوي ، دون أن تجد في ذلك حرجا لإعتيادها على ركوب الدراجة .
.
وكما فعلت وزيرة العدل كريسبيان توبيرا والتي كانت أول الواصلين إلى قصر الايليزي على متن دراجتها الهوائية لحضور أول اجتماع للحكومة الجديدة التي يقودها وزير الداخلية مانويل فالست ، الاجتماع الذي وصله غيرها من الوزراء إما راجلين أو راكبين سيارات كهربائية مستأجرة ، ودون أن ننسى “مارك روتا” رئيس وزراء هولندا ، الذي اعتاد أن يقطع شوارع هولندا في طريقه لحضور الاجتماع الاسبوعي في بناية مجلس الوزراء ، ببدلته وربطة عنقه وأناقته التي لا يشوهها ركوبه للدراجة ، والذي يؤدي له التحية حارسا البوابة أثناء دخوله مقر مجلس الوزراء ممتطيا صحوة دراجته .
.
بخلاف موظفينا السامين وحتى متوسطي المراتب منهم الذين لا يحبدون الفكرة البتة ، ويتصورن بسذاجة أنهم إن هم ركبوا الدراجة وشاركوا الناس تفاصيل الحياة ، فسيتحولون من قادة ورموز ، الى أناس عاديين ، ويزول الفرق بينهم وبين عامة الناس .
.
وقد دفع مثل هذا التفكير –حسب الأخبار التي ملأت الصحف فى بداية التسعينات – بمجلس جامعة القاهرة إلى فصل أحد أساتذة كلية الآداب لحضوره إلى الحرم الجامعى راكبا دراجته التي ما كان يرى في ركوبها نقص من قدره ، غير أن المجلس ارتأى أن هذا السلوك إهانة لهيئة التدريس .
وإن نفس التفكير جعل أحد نواب الشعب المغربي –وهو اليوم وزيرا في حكومة الإسلاميين بعد أن غير لون حزبه- يرعد ويزبد أثناء جلسة الأسئلة الشفوية للأسبوع الثالث من يونيو سنة 2008 ، مدافعا عن حرمان بعض الموظفين من السيارات الفخمة للقيام بواجبهم ، حيث اعتبر السيد النائب أن تخصيص سيارة “أونو” التي تُركب بالمغرب ، غبن وظلم ، ولا تُظهر حقيقة وقيمة عمل هذه النوعية المتميزة من الموظفين.
.
وسبق أن كتبت حينها مقالة في الموضوع تحت عنوان “سيارة البلاد لا تطرب” نشرت في موقع الحوار المتمدن-العدد: 2451 – 2008 / 10 / 31 – 04:13 .
وما أظن أنه يغيب على السيد النائب المحترم -سابقا والوزير حاليا – أنه لو تم حساب المبلغ السنوي الذي تكلفه هذه السيارات الموضوعة رهن إشارة مسؤولين كتاب عامين ومدراء ومناديب وحتى رؤساء أقسام ورؤساء جماعات وموظفين بها ، وأكثريتها من أنواع رفيعة ينتقل استعمالها إلى الزوجات أو أفراد آخرين من العائلة الذين يكون لهم ،في الغالب، دور في اختيار نوعها وخصائصها، فإننا نصل إلى مئات ملايين الدراهم ، وهي كلفة يترتب عليها تبديد المال العام وخيانة الأمانة بشكل صريح ، ورفع من ميزانية التسيير بشكل مصطنع ، دون أن تستنكر أية جهة ذلك ، بما فيها الحكومة الحالية رغم وعودها بمحاربة الفساد وتقليص عدد سيارات الدولة ، والتقشف في شراء السيرات بالمؤسسات العمومية ؛ المزاعم التي فندها السيد ادريس جطو ، الرئيس الاول للمجلس الاعلى للحسابات ، حيث ذكرت جريدة الاخبار الصادرة يوم الجمعة 4 ابريل انه تم كشف ارقام رسمية تضمنها التقرير الذي اعده المجلس عن حجم حظيرة العربات العمومية الذي ارتفع بشكل مهول خلال السنتين الماضيتين ، منذ تنصيب حكومة بنكيران ، مما يكلف خزينة الدولة مليار سنويا- 46 مليار سنتيم: لشراء سيارات المصلحة 54 مليار سنتيم: متوسط كلفة ما يستهلكه من الوقود
30 مليار سنتيم : معدل مجموع فواتير الإصلاح 9 ملايير سنتيم: المعدل السنوي لكلفة التأمينات-حسب الاخبار- .
امول تصرف على حظيرة سيارات الدولة التي بلغ عددها أرقاما صادمة ، تجعل المغرب على رأس قائمة الدول ، حيث بلغ الأسطول الذي يحمل (إم روج) حتى حدود سنة 2011 ما مجموعه 115 ألف عربة ، وهو عدد يتجاوز دولا كبرى بكثير ، كالولايات المتحدة الأمركية التي لا تتوفر –وفق الاحصائيات ذاتها- إلا على 72 ألف سيارة دولة ، وكندا التي تتوفر سوى على 26 ألف سارة خدمة فقط، واليابان التي لا تتوفر إلا على 3400 سيارة .
.
إن خبر ركوب السيسي الدراجة واستعمال عدد من الموظفين السامن والوزاراء في البلدان الدمقراطية لها أثناء قيامهم بواجبهم ، لهو إدانة رمزية لكل الشعارات والوعود بمحاربة الفساد وكشف المفسدين وربط المسؤولية بالمحاسبة والقطع مع عهد الإفلات من العقاب التي رفعتها وترفعها الحكومة .
.
Hamidost@hotmail.
com