الممرضون يساهمون في التنمية رغم تخلي الحكومة عنهم

زهير ماعيزي _ ممرض متخصص تخدير وانعاش

30 ألف ممرض في القطاع العام فقط هو العدد التقريبي للممرضين المغاربة، يتوزعون على حوالي 15 تخصص، ينتشرون في كافة ربوع التراب الوطني، بل إن الكثير من المراكز في القرى والجبال والصحاري لا يتواجد فيها من “الدولة” إلا ممرض واحد، حتى قيل إن منصب ممرض في العالم القروي هو منصب سياسي نظرا لمسؤوليته في الصحة والأمن العام.

لا تتواجد القابلات على رأس اللوائح الانتخابية القروية فقط، بل 24/24 ساعة في وحدات التوليد في حرب مفتوح ضد وفيات الأمهات أثناء الوضع والأطفال أقل من 5 سنوات، وإذا كان من تقدم حاصل في هذا المجال فجل الفضل لهن.

اختفت العديد من الأمراض والأوبئة في المغرب بفضل جهود الممرض المتنقل itinérant   الذي كان يحمل أدواته ولقاحاته وأدويته ويقدم العلاجات ويعزز الثقافة الصحية ويتنقل عبر الدواب متى سمحت له مسالك الجبال للوصول الى مغاربة لم يدخلوا الألفية الثالثة بعد، إنه يحارب أمراض الفقراء محققا نجاحات باهرة فيما يتعلق بتنظيم النسل وأمراض السل والقمل والجربة والجذام.
.

ولن نبالغ بالقول أن صعود المغرب بضع درجات في سلم التنمية البشرية يعود في جزء كبير منه للممرضين، كما أن صعود المزيد من الدرجات مرتبط بالاعتناء بهاته الفئة كما وكيفا.
إن الاستثمار في العلاجات التمريضية ليس خيارا، بل ضرورة حتمية لدولة الرفاه والمساواة والعدالة الاجتماعية، وأولوية قصوى في برنامج أي حكومة وطنية شعبية ديمقراطية.

في شرطنا الخاص، تبدو التحديات كبيرة، الطلب الاجتماعي على الحقوق في ازدياد بعد “الربيع العربي”، ولم نتخلص بعد من أمراض الفقراء لتباغتنا تحولات وبائية جديدة كالأمراض غير السارية المزمنة والمكلفة والأمراض النفسية وشيخوخة الساكنة والتحديات المرتبطة بالتعفنات والبيئة وأنماط العيش غير الصحية.

إنها تحديات تسائل صحة المغرب وبالتالي تنميته.
وطبعا تسائل جسم التمريض لأنه خط المواجهة الأول.
فكيف استجابت المؤسسات الحكومية لحاجيات الممرضين؟

الملامح الأولى للإجابة لا تبشر بالخير إطلاقا.
المغرب يعاني نقصا حادا في الممرضين مقدر ب 9000 ممرض، والوزارة الوصية تعاني صعوبات حقيقية في ضمان ولاء   (problème de fidélisation)   الممرضين، فطلبات تغيير الاطار والاستقالات والتقاعد المبكر والهجرة الى الخليج وكندا كثيرة، الأمراض المهنية والضغوط النفسية تلتهمنا كالنار في الهشيم وبيئة العمل غير ملائمة على الاطلاق   (environnement non-favorable à la pratique)  ، والاحتقان لا زال مستمرا لأن مطالب الممرضين المتضمنة في الاتفاقيات الجماعية في ثلاجة الانتظار، والأعمال الاجتماعية لموظفي هذا القطاع الاجتماعي لم تغادر الأوراق الى الواقع، والأجور والتعويضات غير كافية وتشكل مبررا لتلقي دفوعات غير رسمية أو البحث عن عمل ثان في المدن، وباعتبارهم من يقدم علاجات القرب فهم من يتحمل مباشرة ردود فعل المرضى والمرتفقين نتيجة فشل النظام الصحي.

باختصار، الممرضون يحسون بتخلي الجهات الحكومية عنهم وعدم الاعتراف بخدماتهم  (délaissement par le gouvernement) لأنهم غير حاضرين في مفكرة السياسي في هذه البلاد.

تبدو الحاجة ملحة الان إلى سياسة جديدة خاصة بالقوى العاملة التمريضية وإلى اعادة الاعتبار للعلاجات التمريضية في الصحة.
ويبدو أن الرؤية التي جاءت في تقرير 2006 لمنظمة الصحة العالمية موارد بشرية مدربة جيدا، ومحفزة، ومتوفرة بشكل كاف صالحة لهذه السياسة.

في الأخير، إذا كان الشكر الذي نتلقاه يوميا من المواطنين ومن السيد وزير الصحة والجزاء مع الله امرا جيدا، فإن الجزاء الدنيوي من الحكومة لن يكون سيئا على الإطلاق.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد