مغاربة تعساء

احمد اضصالح

من عادتي أنني لا أصدق كثيرا ما يصدر عن المؤسسات والبرامج التابعة لما يصطلح عليه في العصر الحديث “منظمة الأمم المتحدة” لما طغا عليها من النفاق والتملق والمحاباة اتجاه القوى العالمية الكبرى على حساب الضعفاء منذ تأسيسها سنة 1945م لحدود اللحظة، لكن هذه المرة أجدني مجبرا على القبول بأمر الواقع، والرضى بالتصنيف الذي مُنح لنا في مؤشر السعادة، استنادا إلى معطيات ملموسة لا تخفى على ذي عين.

فالمغرب احتل حسب تقرير “شبكة حلول التنمية المستدامة” السنوي المرتبة 99 على الصعيد العالمي، فيما استقر به المقام في الرتبة 11 “عربيا” قبل دولة الصومال الشقيقة.
وهذا رقم متأخر بالنظر إلى الكثير من الدول حولنا، ومظاهر الحياة العصرية التي ندور في فلكها.

من الطبيعي جدا أن نجد دولا كالدانمارك والنرويج وسويسرا تتربع على عرش هذا التصنيف، لكونها بعيدة كل البعد عن الحروب المبيدة على الأقل، وانغماس أبنائها فيما لذ وطاب، وارتفاع معدل الدخل الفردي بها وازدياد مؤشر الشعور بالطمأنينة والحرية، وجودة الخدمات الأساسية التي توقف المجتمع على ساقيه، وأقصد بذلك الصحة والتعليم والعدل.

ومن الطبيعي أيضا أن تذيّل القائمة بدولة ك”أفغانستان” المسكينة التي أجهزت الولايات المتحدة الأمريكية على ما تبقى من أوصالها الممزقة أصلا بالتجويع والتقتيل والفتن التي يتبع أولها آخرها كقطع الليل المظلم، سنة 2001 من العقد الماضي.

كما أنه من الطبيعي أن تتأخر في التصنيف دول صار ربيعها خريفا، وتحولت البنيات التحتية بها إلى مجرد أطلال تستحق أن تكون موضوع مقدمات قصائد ذات البنية التقليدية.
وصار سكانها بين لاجئ وقتيل ومفقود.
.

لكن المغرب الذي طالما تغنى بالديموقراطية وحقوق الإنسان والحرية، وصوّرته قنوات القطب العمومي كمكان للتعددية والعيش المشترك والرخاء والطبيعة والجمال بين برامج تستهدف البطن –شوميشة نموذجا- وبين سهرات تكاد تشمل أيام السنة كلها.
.
.
، من المخجل أن يحمل رقما كهذا، وتشير الأصابع إلى أبنائه بإفلاس المشاعر.

المغاربة تعساء، معناه أنهم يعانون عند المرض بالتردد على المستشفيات التي يعتبر الداخل إليها مفقودا والخارج منها مولودا، ولا يثقون في محاكمهم ومدارسهم.
بل وصار الأمر راسخا في ثقافتهم الجمعية حتى اشتهر على الألسن: “الله ينجيك من الإدارة والسبيطار !!”.

أما بحثهم الدائم عن الخبز بشتى الوسائل الممكنة، فصار هو الهاجس الأكبر الذي يؤرق المغربي مذ كان وليدا، لدرجة جعلت الروائي (محمد شكري) يؤرخ لذلك –وإن كان بأسلوب بذيء- في “من أجل الخبز وحده”.

فمتى يمرض الإنسان، ويتردد بين المستشفيات العمومية والخاصة، آنذاك فقط سيكتشف قيمة صحته لدى مجتمع خدمه لمّا كان صحيحا، وسيحس لا محالة بالغبن ما شاء الله من عمره.

ومتى تُهضم إحدى حقوقه، ولم يجد سندا يعينه على استردادها لمّا يحمل معه ملفه جائلا بين دهاليز المحاكم، سيكشف لا محالة مدى الضيم الذي يلحق الضعفاء في مواجهة الأقوياء، فيصير مجبرا على العيش في خوف أبدي يستحيل الخروج من غياهبه.

أما إذا اكتشف الإنسان فجأة جهله المركب، وهو الحامل للشواهد والدبلومات التي لا تقيه ذلّ المجاعة والسؤال، فسيحس طبعا بضياع لا حدود له.

ويكفي الإنسان أن يتصفح التقارير الرسمية وغير الرسمية التي تجس نبض هذا المجتمع، وينظر بعين البصيرة فيما يحدث حوله من حوادث الانتحار وتفشي الظلم والرشوة والجريمة.
.
.
، ليتأكد بعدها في سبب التعاسة التي تلاحقنا.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد