هبة زووم – إلياس الراشدي
بعد مرور أزيد من نصف الولاية وبالضبط ثلاثة سنوات على إجراء الانتخابات الجماعية بإقليم الراشيدية، وتشكيل مجالس الجماعات الترابية، يواجه الوالي زنيبر، إشكالية تعميم التطبيق السليم لتنازع المصالح بعدد من الجماعات، وتنفيذ مذكرتي وزارة الداخلية للفصل في تنازع المصالح بالجماعات.
وتكشف التحقيقات أن العديد من هؤلاء المستشارين يستغلون مناصبهم للحصول على امتيازات مادية، سواء من خلال كراء المحلات التجارية أو الاستفادة من مرافق الجماعة، ورغم صدور عدة مذكرات من وزارة الداخلية تحذر من هذه الممارسات وتؤكد على ضرورة الفصل بين المصالح العامة والخاصة، إلا أن هذه المذكرات بقيت حبرا على ورق.
وكان الوالي السابق “بوشعاب يحضه” قد وجه في سنة 2022 مراسلة لجميع الجماعات الترابية بالإقليم من أجل مد السلطات الولائية بكل أسماء المستشارين الذين تربطهم بجماعتهم الترابية علاقة تعاقدية سواء من خلال كراء المحلات التجارية أو تسيير أو استغلال مرافق تجارية في ملكية الجماعة الترابية، كأشخاص ذاتيين أو كأعضاء في هيئات التسيير لأشخاص معنويين، إلا أن التطبيق لم يجد طريقه إلى التفعيل لأسباب ذاتية وموضوعية.
ومعلوم أن مذكرة لوزير الداخلية موجهة إلى سلطة الإدارة الترابية ممثلة في الولاة والعمال كانت قد أكدت أنه “لوحظ من خلال الاستشارات القانونية التي تتوصل بها مصالح الوزارة أن بعض المنتخبين بمجالس الجماعات الترابية يستمرون في علاقتهم التعاقدية أو ممارسة النشاط الذي كان يربطهم بجماعتهم الترابية قبل انتخابهم لعضوية مجلسها، سواء من خلال كراء المحلات التجارية أو تسيير أو استغلال مرافق تجارية في ملكية الجماعة الترابية، كأشخاص ذاتيين أو كأعضاء في هيئات التسيير لأشخاص معنويين (شركات أو جمعيات)”.
وفي هذا الإطار، نبّه وزير الداخلية إلى أن المادة 68 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، والمادة 66 من القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم، والمادة 65 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، نصت على أنه يمنع على كل عضو من أعضاء مجلس الجماعة الترابية أن يربط مصالح خاصة مع الجماعة الترابية التي هو عضو فيها، أو مع هيئاتها: مؤسسات التعاون بين الجماعات أو مجموعات الجماعات الترابية التي تكون الجماعة الترابية عضوا فيها، أو شركات التنمية التابعة لها… أو أن يبرم معها عقودا للشراكات وتمويل مشاريع الجمعيات التي هو عضو فيها، وبصفة عامة أن يمارس كل نشاط قد يؤدي إلى تنازع المصالح، سواء بصفة شخصية أو بصفته مساهما أو وكيلا عن غيره أو لفائدة زوجه أو أصوله أو فروعه.
وورد ضمن المراسلة ذاتها أن المقتضيات سالفة الذكر جاءت بصيغة العموم والإطلاق دون تحديد من حيث النطاق الزمني، ما يكون معه المنع قائما بالنسبة لأي علاقة مستمرة خلال الولاية الانتدابية الحالية، ولو ابتدأت قبل هاته الولاية، لأن الغاية والنتيجة واحدة، سواء ربطت المصالح قبل هاته الولاية الانتدابية أو خلالها، مادام أن وضعية تنازع المصالح تبقى قائمة باستمرار العضو في مجلس الجماعة الترابية في علاقة المصلحة الخاصة، أو ممارسة أي نشاط كيفما كان له علاقة بمرافق الجماعة الترابية أو مع هيئاتها (مؤسسات التعاون بين الجماعات أو مجموعات الجماعات الترابية التي تكون الجماعة الترابية عضوا فيها أو شركات التنمية التابعة لها أو شركات التدبير المفوض…).
وتأسيسا على ما سبق، أكّدت المراسلة أن كل منتخب ثبت في حقه إخلال بالمقتضيات المنصوص عليها سابقا، بكيفية صريحة وواضحة، من خلال ربطه مصالح خاصة مع جماعته الترابية أو هيئاتها أو يمارس أي نشاط كيفما كان ينتج عنه بصفة عامة تنازع المصالح، بصفته شخصا ذاتيا أو كعضو في الهيئات التسييرية لأشخاص معنويين (شركات أو جمعيات)، فإنه يتعين الحرص على ترتيب الآثار القانونية التي تقتضيها هذه الوضعية، وذلك من خلال مباشرة الإجراءات القانونية المتعلقة بعزل المنتخبين، التي تم توضيحها بشكل دقيق بدورية عدد D1750 بتاریخ 14 يناير 2022.
وجاء في ختام المراسلة أن ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات مدعوون إلى تعميم مضامين الدورية على كافة رؤساء مجالس الجماعات الترابية والمقاطعات التابعة لدائرة نفوذهم الترابي، والسهر على تطبيق ما جاء فيها، تطبيقا لقواعد الحكامة وتكريسا لمبادئ وقيم الديمقراطية والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الغريب في الأمر أنه رغم توصل مصالح الولاية بالرشيدية بكل أسماء المستشارين الذين تربطهم بجماعتهم الترابية علاقة تعاقدية سواء من خلال كراء المحلات التجارية أو تسيير أو استغلال مرافق تجارية في ملكية الجماعة الترابية كأشخاص ذاتيين أو كأعضاء في هيئات التسيير لأشخاص معنويين، لم تجد طريقها إلى التنفيذ تفعيلا للمساطر القضائية المتعلقة بعزل أعضاء مجالس الجماعات، طبقا للمادة 64 من القانون التنظيمي رقم 14. 113، المتعلق بالجماعات، بسبب ارتكابهم أفعالا مخالفة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، وبتنسيق مع الوكالة القضائية للمملكة.
والملاحظ أنه، وعلى الرغم من المجهودات المبذولة من طرف مصالح المجلس الأعلى للحسابات فإنها تظل غير مجدية وفعالة في ظل استقواء لوبي الفساد وتفشيه المهول في كل القطاعات وعدم اكتراثه لمثل هذه الخرجات التي لن تحقق أهدافها المنوطة ما لم يتم تكريس المفهوم الحقيقي لربط المسؤولية بالمحاسبة وذلك بتجريم هذا الفعل مع ترتيب الجزاءات على كل من تبث في حقه تخلفا أو تهربا في ميدان التصريح بالممتلكات أو تضمين معطيات مغلوطة أو غير حقيقية سيما وأن واقع الحال أصبح يكشف وبالملموس تجليات ومظاهر الغنى الفاحش الذي أصبحت تعيشه فئة من المنتخبين كانت بالأمس القريب تعيش الفقر المذقع كما هو الحال داخل إقليم االراشيدية، حيث أصبح بعض المسؤولين العموميين وبعض المنتخبين يعدون من ضمن فئة المليارديرات أمام أعين المخزن التي لا تنام.. فمن أين لهم ذلك؟
وفي ظل هذه المعطيات، يتوجب على الوالي زنيبر التحرك الفوري والحازم لوضع حد لهذه الممارسات التي تشوه صورة الإقليم وتعيق تقدمه، حيث أصبح لزاما عليه تفعيل الآليات القانونية المتاحة لعزل المنتخبين المتورطين في هذه المخالفات، وتقديمهم للعدالة.
كما يجب عليه تعزيز الرقابة على الجماعات الترابية، وتشجيع المشاركة المواطنة في مكافحة الفساد، فتطبيق القانون هو السبيل الوحيد لاستعادة الثقة في المؤسسات العمومية وتحقيق التنمية المستدامة لإقليم الرشيدية.
وفي الأخير، يمكن القول على أن استمرار التغاضي عن هذه الممارسات سيؤدي إلى تفاقم الأزمة وتهديد استقرار الإقليم، حيث يجب على الوالي زنيبر أن يدرك أن التسامح مع الفساد هو بمثابة جريمة في حق المواطنين، وأن التاريخ لن يغفر له إذا لم يتخذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لهذه الممارسات، فتطبيق القانون هو الضمانة الوحيدة لاستعادة الثقة في المؤسسات العمومية وتحقيق التنمية المستدامة.
تعليقات الزوار