حرية التعبير في مرمى التنظيم.. هل تشرّع الحكومة للرقابة الرقمية باسم الأخلاق العامة؟

هبة زووم – الرباط
في وقت تتصاعد فيه وتيرة المتابعات القضائية في حق نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب آرائهم وتدويناتهم، عاد ملف حرية التعبير إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي في المغرب، لكن هذه المرة من بوابة “تقنين الفضاء الرقمي”.
خطوة تقول الحكومة إنها ضرورية لتنظيم فوضى الإنترنت، لكن المعارضة ترى فيها تهديداً صريحاً لمكتسبات دستورية.
وزير الشباب والثقافة والاتصال، المهدي بنسعيد، أعلن رسمياً أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، أن الحكومة بصدد إعداد إطار قانوني جديد لضبط المجال الرقمي، معتبراً أن هذا الفضاء أصبح مسرحاً للفوضى، يتقاطع فيه الحق في التعبير مع مخاطر تمس الأطفال، وتروّج للعنف والتطرف والكراهية.
وأكد بنسعيد أن القانون المنتظر لا يستهدف حرية التعبير، بل يسعى إلى تنظيمها وضمان توازنها من خلال تحميل المنصات الرقمية مسؤوليات قانونية واضحة، تهم حماية القاصرين، ومحاربة الأخبار الزائفة والمحتوى غير القانوني، وكذا إخضاع هذه المنصات لرقابة مالية وقانونية دقيقة.
كما كشف الوزير عن نية الحكومة توسيع صلاحيات الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا)، لتشمل مراقبة وضبط المحتوى الرقمي، في إطار ما سماه “العدالة الرقمية”.
ورغم التطمينات الحكومية، فإن أصواتاً برلمانية، خاصة من المعارضة، عبّرت عن قلق عميق من مآلات هذا التقنين.
المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية اعتبرت أن هذه الخطوة قد تفتح الباب لتضييق الحريات بدل توسيعها، وأن الحكومة تسير في اتجاه يكرس منطق الزجر بدل تشجيع الحرية المسؤولة.
وبرأيها، فإن الإشكال لا يكمن في التعبير، بل في غياب الفضاءات العمومية المفتوحة والبدائل الإعلامية المستقلة، وهو ما يدفع المواطنين إلى التعبير عن أنفسهم على منصات التواصل.
وبالتالي، فإن تقنين الفضاء الرقمي من دون نقاش وطني موسع قد يتحول إلى أداة رقابية تعزز الاحتقان وتضعف الثقة في المؤسسات.
وحذرت المجموعة من أن الخلط بين الانفلاتات الفردية — كحالات السب والقذف والتشهير — وبين التعبير النقدي المشروع، قد يشكّل سابقة خطيرة تُجرّم الرأي المخالف، خصوصاً حين يتعلق الأمر بانتقاد الأداء الحكومي أو السياسات العمومية.
وتطالب المعارضة، ومعها عدة أصوات مدنية، بمقاربة تشاركية تُشرك الأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني ومؤسسات حماية الحقوق، لصياغة قانون يوازن بين الحاجة إلى التنظيم وضرورة احترام الحريات، ويحمي المجتمع من مخاطر الانفلات الرقمي دون أن يجهز على المكتسبات الديمقراطية.
فالبلاد اليوم، كما يقرّ مراقبون، تقف على عتبة مفترق طرق رقمي حساس: إما أن تُشرّع لمنظومة متوازنة تحمي الحقوق وتحفظ الكرامة، أو أن تنزلق إلى منطق الرقابة المبطنة، الذي قد يُضاعف التوتر ويُفرغ المؤسسات من مصداقيتها.
ومع تسارع الاستعدادات لهذا المشروع، يظل الرهان قائماً على مدى قدرة الدولة على إنتاج نموذج مغربي في تقنين الإنترنت، لا يعيد إنتاج أشكال الرقابة التقليدية، بل يفتح آفاقاً لحرية مسؤولة، توازي بين الحق والواجب، وتحفظ للتعدد أصالته، وتضمن للمواطنين فضاء رقمياً آمناً دون أن تُصادر منهم حق التعبير.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد