هبة زووم – ليلى البصري
في مشهد يُعيد طرح الأسئلة القديمة حول وظيفة المؤسسة التشريعية وحدود استقلاليتها، شن محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، هجومًا لاذعًا على فرق الأغلبية البرلمانية، متهمًا إياها بـ”الاستقواء بالحكومة ضد المواطنين”، على خلفية رفضها الانخراط في لجنة تقصي الحقائق حول ملف الدعم العمومي لاستيراد المواشي.
وتساءل أوزين، خلال مداخلة له بالمدرسة الكبرى للتجارة في مراكش، عن منطق برلماني يُفترض فيه مراقبة الحكومة، ثم يختار الاصطفاف معها ضد مطالب الشفافية والمساءلة، قائلاً: “لا أملك أي تفسير لبرلماني يصطف مع الحكومة وهو الذي صوت عليه المواطن من أجل مراقبتها وليس العكس”.
لم يكتف الأمين العام للحركة الشعبية بالتشخيص، بل أطلق اتهامًا واضحًا للأغلبية بـ”إغلاق الستار” (“هبطو الريدو” حسب تعبيره)، والانحياز لرواية الحكومة في وقت كانت فيه المعارضة تبذل مساعي حثيثة لتفعيل آلية تقصي الحقائق، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للرأي العام خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ نهاية سنة 2022، أطلقت الحكومة دعما مباشرا لاستيراد المواشي لمواجهة تداعيات الجفاف والارتفاع الحاد في أسعار اللحوم، غير أن الشكوك بدأت تحوم حول الطريقة التي تم بها تدبير هذا الملف، وحول المستفيدين الحقيقيين من هذا الدعم، خاصة بعد تواتر أخبار عن احتكار قلة من الشركات للاستيراد، دون أي أثر واضح على الأسعار في السوق الداخلي.
ومع بداية أبريل الماضي، أعلنت مكونات المعارضة بالغرفة الأولى عن مبادرة لتشكيل لجنة تقصي حقائق، الغرض منها “استجلاء الحقيقة كاملة وتنوير الرأي العام”، وهو ما شكل لحظة مفصلية لإثبات فاعلية البرلمان كسلطة رقابية حقيقية، غير أن هذه المبادرة سرعان ما قوبلت برد مضاد من طرف فرق الأغلبية، التي اقترحت بدلًا من ذلك إحداث مهمة استطلاعية مؤقتة.
وفي عرف العمل البرلماني، تختلف لجنة التقصي عن المهمة الاستطلاعية بشكل جوهري: فالأولى تُمكّن من مساءلة مسؤولين رسميين تحت القسم، ولها قوة قانونية كبيرة، بينما تظل الثانية مجرد أداة تقنية محدودة لا ترقى إلى كشف الاختلالات البنيوية.
لذلك، لم يتأخر رد المعارضة، التي رأت في الخطوة “محاولة لتمييع الموضوع ونسف مبادرة تقصي الحقائق”، وهو ما وافق عليه أوزين، مضيفًا بنبرة يائسة: “كيف نقنع المواطنين بالتصويت علينا من جديد، وكيف نقنعهم أن يثقوا في الساسة والسياسيين؟”
ما وقع في هذه القضية يتجاوز خلافًا تقنيًا داخل مجلس النواب، ليعكس أزمة ثقة أعمق بين الناخب والمنتخب، وبين المواطن والمؤسسات. فحين تعجز الأغلبية عن الانخراط في كشف حقيقة مسألة تهم القدرة الشرائية للمغاربة، وتلوذ بالمناورات الشكلية بدلًا من المكاشفة، فإنها تُضعف ليس فقط صورتها، بل صورة المؤسسة التشريعية ككل.
وفي الوقت الذي يطالب فيه الشارع المغربي بقدر أكبر من الشفافية والمساءلة، يبدو أن بعض البرلمانيين – حسب تعبير أوزين – نسوا من أوصلهم إلى البرلمان، وفضلوا الاصطفاف إلى جانب الحكومة بدلًا من مساءلتها.
وهكذا، يبقى السؤال معلقًا: هل نعيش برلمانًا يمثل الشعب، أم برلمانًا يحمي الحكومة من أسئلة المواطنين؟
تعليقات الزوار