جماعات أزيلال.. “مقابر الميزانية” التي تُطعم الأشباح وتُفقّر المواطن

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في عمق الأطلس، حيث يفترض أن تكون الجماعات المحلية بإقليم أزيلال حاضنة لخدمة المواطن وهمومه اليومية، يبدو أن الأمور انقلبت رأسًا على عقب، فقد تحولت هذه المؤسسات من فضاءات يفترض فيها القرب والفعالية، إلى كيانات فارغة، يلفها الصمت واللامبالاة، حيث تُصرف الميزانيات بسخاء، بينما تغيب الخدمات، ويتوارى الموظفون عن الأنظار.
مشهد سريالي يتكرر في عدد من جماعات الإقليم، حيث “اللاعمل” صار قاعدة، و”اللاوجود” أصبح امتيازًا، المواطن البسيط، حين يلج باب الجماعة لقضاء مصلحة إدارية، غالبًا ما يصطدم بجواب جاهز: الموظف في عطلة، أو في دورة تكوينية، أو “خرج للتو”، أو ببساطة… لا أحد يعرف مكانه.
لكن الأخطر من ذلك، أن هذه ليست مجرد حالات معزولة، فبحسب تقديرات محلية، يقارب عدد “الموظفين الأشباح” في جماعات أزيلال نسبة 20% من مجموع الموظفين، أي أن واحدًا من كل خمسة موظفين يتقاضى أجرًا دون أداء أي مهام فعلية.
هذا ليس خللًا في النظام الإداري، بل أصبح جزءًا منه. فكلما قل حضور الموظف، قل احتمال مساءلته، وكلما غاب، زادت فرصته في “النجاة” من الانتقادات والمحاسبة.
المجلس الإقليمي بدوره لم يكن أحسن حالًا، إذ فشل فشلًا ذريعًا في إرساء نموذج للحكامة الرشيدة أو التنسيق بين مختلف الجماعات، وهو ما أدى إلى تعميق أزمة التسيير في الإقليم.
وبدل أن يكون آلية لتصحيح الاختلالات، تحول هو الآخر إلى واجهة شكلية تُدار باجتماعات بروتوكولية لا أثر لها على الأرض.
وبين ميزانيات تُستهلك دون مخرجات ملموسة، وواقع خدمي بائس، تُطرح الأسئلة الحارقة: من يحاسب؟ من يراقب؟ ومن يوقف هذا النزيف المزمن؟
بل الأدهى من ذلك أن المواطن، الذي تُطالبه الدولة بالتحلي بالصبر والامتثال، لا يجد أمامه سوى خدمات مهترئة، وبطاقة “راميد” عاجزة عن فتح أبواب المستشفى.
في المقابل، يعيش “الموظفون الأشباح” وضعًا مريحًا، دون أن يُسائلهم أحد. أجورهم تصرف بانتظام، لا يتعرضون لأي مضايقة، ولا يتطلب وجودهم سوى توقيع سنوي في كشف الحضور، هم حاضرون في لوائح الرواتب، وغائبون عن الواقع… محميون بصمت إداري وغياب إرادة حقيقية للإصلاح.
في أزيلال، يبدو أن الجماعات تحولت من مؤسسات منتخبة لخدمة المواطن، إلى “مقابر” حقيقية للميزانية العمومية، تُطعم الأشباح وتُفقّر الناس. في انتظار أن يظهر من يعيد لهذه المؤسسات روحها، ويعيد ترتيب أولوياتها لتخدم المواطن بدل أن تثقل كاهله.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد