آسفي العطشى.. انقطاع متكرر وتدبير مرتبك يجرّ أسئلة صعبة حول دور الشركة الجهوية متعددة الخدمات

هبة زووم – طه المنفلوطي
في صيف 2025، لم يكن الماء في مدينة آسفي مجرّد مورد طبيعي ندر بفعل التغيرات المناخية، بل تحوّل إلى “ترف يومي” قد لا تناله الأسر البسيطة إلا بعد معاناة طويلة.
ومع الانقطاع التام للماء الصالح للشرب عن عدد من الأحياء بآسفي لأربعة أيام متتالية وإلى حدود كتابة هذه السطور، عادت إلى الواجهة تساؤلات حرجة: هل نحن أمام أزمة ندرة أم أزمة تدبير؟ وهل أصبحت الكرامة المائية للمواطن موضوعًا مؤجلاً إلى إشعار آخر؟
لم يعد من النادر أن يصحو المواطن المسفيوي على صنابير فارغة، ولا أن يقضي الساعات في البحث عن مياه معدنية لسد عطش أسرته، خصوصًا في المناسبات الحساسة مثل عيد الأضحى، حيث يتضاعف الطلب وتتعقد الحاجة.
وبالنظر إلى هشاشة القدرة الشرائية، فإن توفير المياه المعبأة لا يعد خيارًا متاحًا لجميع الأسر، ما يرسخ إحساسًا جماعيًا بالإهمال والتمييز.
اسم الشركة الجهوية متعددة الخدمات، التي أُوكلت إليها مسؤولية تدبير الماء والكهرباء والتطهير، أضحى مرادفًا للسخط الشعبي بدلًا من الانفراج المنتظر. تذمرات الزبناء لا تقتصر فقط على الانقطاعات، بل تشمل كذلك الزيادات الصاروخية في الفواتير، والغموض الذي يلف احتساب الاستهلاك، ناهيك عن طوابير الإذلال التي يُجبر المواطن على الوقوف فيها من أجل مناقشة فاتورة لا تعكس واقعه الاستهلاكي.
منذ بدء العمل بالنموذج الجديد للتدبير المفوض، والمواطنون يترقّبون تحسنًا في جودة الخدمات، وتبسيطًا في العلاقة مع المؤسسة، لكن ما يحدث اليوم على الأرض هو عكس ذلك تمامًا: ازدادت وتيرة الأعطاب، وغابت الاستجابة الفورية، وتراجعت مؤشرات الثقة بشكل مقلق.
صحيح أن المغرب يمر بمرحلة حساسة من حيث الموارد المائية، بفعل التغيرات المناخية وتراجع التساقطات، لكن في حالة آسفي، يلاحظ المتتبعون أن تكرار الأزمة في أوقات محددة، وغياب خطط استباقية أو تواصل واضح مع الساكنة، يوحيان بأننا إزاء اختلال مؤسساتي أكثر منه ظرفًا طبيعيًا.
فحين يتكرر نفس المشهد كل صيف، وتُواجه الساكنة باللامبالاة ذاتها، دون أن تقدم الشركة تفسيرًا مقنعًا أو حلولًا ناجعة، يصبح من المشروع التساؤل: أين الخلل؟ في الموارد أم في العقول المدبّرة؟ وهل نحن أمام تدبير يعترف بأزمة، أم ينكرها باسم الشعارات الجاهزة؟
الشركة الجديدة جاءت تحت شعار “دمج الخدمات وتوحيد الجهود”، بهدف الرفع من النجاعة وتبسيط المساطر، غير أن ما يُكتب في كُتيبات العروض شيء، وما يُعاش في الأزقة والدروب شيء آخر.
المواطن في أسفي لا يريد دروسًا في الحكامة ولا خطبًا في النجاعة، بل يريد ببساطة أن يفتح الصنبور فيجد ماءً، وأن يتوصل بفاتورة تعكس استهلاكه لا خيال المحاسبين.
إن ما تعيشه مدينة آسفي اليوم ليس فقط أزمة مياه، بل أزمة ثقة، وأزمة تواصل، وأزمة احترام لحق المواطن في خدمة عمومية لائقة، فلا يمكن الحديث عن التنمية، أو العدالة المجالية، أو حتى استدامة الموارد، دون ضمان الحد الأدنى من الأمن المائي، خصوصًا في مدن تعاني أصلًا من التهميش البنيوي.
إن عطش آسفي ليس فقط إلى الماء، بل إلى الكفاءة، والشفافية، والإنصاف، فإلى متى سيبقى الصنبور فارغًا وضمير المسؤول مغلقًا؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد