هبة زووم – طه المنفلوطي
في قلب موجة حر خانقة، وتحت وطأة صيف يلفح المدينة بالغبار والعطش، تعيش مدينة آسفي واحدة من أسوأ أزماتها المائية.
ثمانية أيام متواصلة من الانقطاع التام للماء الصالح للشرب في عشرات الأحياء، دون إشعار أو توضيح أو حتى اعتذار رمزي من الشركة الجهوية متعددة الخدمات – مراكش آسفي، التي يبدو أنها تدير ملف الماء بعقلية بيروقراطية منفصلة عن الواقع، وبمنطق تجاري لا يُراعي كرامة الإنسان ولا خصوصيات المدينة.
في هذا السياق، أطلق المستشار الجماعي رضا بوكمازي صرخة مدوية على صفحته بموقع “فايسبوك”، حمّل فيها مسؤولية هذا الفشل لاختيارات مركزية وصفها بـ”غير الملائمة” للواقع المحلي، مؤكداً أن الكارثة الراهنة هي نتاج نقل سلطة تدبير مرفق الماء من آسفي إلى مراكش، في إطار ما سُمّي بـ”الشركات الجهوية متعددة الخدمات”، والتي تحوّلت في واقع الأمر إلى آلية جديدة لإعادة إنتاج التمركز والتهميش.
جهوية اسمية… وتمركز فعلي
واعتبر بوكمازي أن ما يسمّى بـ”النموذج الجهوي الموحد” لم يؤدّ سوى إلى تركيز القرار والاستثمار في مركز الجهة (مراكش)، بينما تُركت مدينة آسفي تُواجه مصيرها بموارد ضعيفة وبنيات مهترئة.
وتساءل عن حجم الاستثمارات المخصصة لآسفي بعد هذا التحول، وهل تم الحفاظ على نفس الغلاف المالي السابق أم جرى تقليصه وتحويله إلى “مجالات ترابية أخرى أكثر نفوذاً”.
في ظل هذا التحوّل الهيكلي، أصبح المواطن في آسفي مجرّد رقم في قاعدة بيانات الفواتير، فـ”خدمات القرب” التي وعدت بها الدولة في سياق الجهوية المتقدمة انهارت أمام أول امتحان حقيقي: عطش يهدد الحياة اليومية للناس، دون تدخّل حقيقي، ولا تعبئة لموارد الطوارئ، ولا احترام لأدنى شروط التواصل المؤسساتي.
ماء الفقراء… واستثمارات المدن الكبرى؟
يتساءل عدد من الفاعلين المحليين: لماذا لا تستفيد آسفي من مشروع تحلية مياه البحر الذي يجاورها؟ ولماذا لا يتم تعزيز بنيات التخزين والتوزيع؟ وهل أصبح الماء يُدبَّر بمنطق “الزبونية الترابية”؟
أسئلة تتردد على ألسنة المواطنين وهم ينتقلون بين الأحياء بحثاً عن نقطة ماء، أو ينتظرون منتصف الليل لتعبئة قنيناتهم من صنابير قد تتدفق لدقائق فقط.
إن الوضع الحالي لم يعد مجرد أزمة تسيير، بل فضيحة تدبير، تتقاطع فيها قرارات بيروقراطية غير مدروسة مع غياب كامل للحكامة والشفافية.
فالماء – هذا الحق الأساسي – أصبح سلعة خاضعة لمنطق السوق بدل أن يكون مرفقًا عموميًا يضمن الكرامة والأمن الإنساني.
بوكمازي ختم تدوينته بكلمة تختصر كل شيء: “الأمن المائي ورش استراتيجي لا يمكن أن يُدار بمنطق مول الحانوت”، فلا مكان هنا للعشوائية، ولا عذر للارتجال، فالماء ليس سلعة يُقايَض بها ولا خدمة تُبرمَج على هوا المزاج الإداري.. إنه حياة.