السعيدية تستعيد عافيتها بعد رحيل العامل حبوها أو حين يُرفع الغطاء عن زمن الفوضى

هبة زووم – محمد أمين
حين كانت الأصوات تُنبه، وتحذر، وتُصرخ في وجه التجاوزات التي عرفتها مدينة السعيدية خلال فترة العامل السابق محمد علي حبوها، كانت تُواجه بالتشكيك، وتُتهم أحيانًا بـ”التحامل”.
لكن الواقع، كما يقول المثل، لا يرتفع. فبمجرد أن غادر حبوها المشهد، بدأت المدينة تسترجع بريقها تدريجيًا، وعاد القانون ليشق طريقه وسط ركام سنوات من التغاضي والإفلات من المساءلة.
فاليوم، تشهد المدينة الساحلية تحركًا لافتًا لرجال السلطة نحو تطبيق القانون وتحرير الملك العمومي، بعد أن ظل هذا الأخير لعقود رهينة الفوضى والتراخي في مواجهة المحتلين والمتغولين على الفضاء العام.
إن ما يجري في السعيدية منذ أشهر قليلة فقط ليس معجزة، بل هو ببساطة نتيجة لرفع الضغط والتوجيه غير المعلن الذي كان يحاصر بعض رجال السلطة ويكبل أذرعهم عن القيام بمهامهم كما ينبغي، وهو ما يعني ضمنيًا أن هناك من كان يرعى أو يتغاضى عن الخروقات، أو على الأقل يفضل “السكوت المريب” على تطبيق القانون.
ظاهرة احتلال الملك العمومي في السعيدية تحولت إلى عنوان صارخ على غياب سلطة القانون، بل أصبحت نموذجًا لما يمكن أن تؤول إليه الأمور حين يُرفع الغطاء عن المراقبة.. الأرصفة والأسواق والساحات العمومية تحولت إلى ضيعات خاصة، يصول ويجول فيها من شاء، دون اعتبار لحق الجماعة أو المواطن.
ورغم التنبيهات والتحذيرات التي سبق أن وجهتها منابر إعلامية وطنية – ومنها “هبة زووم” – ظل الوضع كما هو عليه، بل ازداد تفاقمًا، حتى بات المواطنون يُضطرون للسير وسط الشوارع هربًا من “الأسوار الثابتة والمتحركة” التي نصبت فوق الأرصفة، بلا ترخيص ولا احترام للمجال العمومي.
وفي قلب هذا الواقع، يُطرح السؤال المركزي: من يتحمل مسؤولية هذه الفوضى؟ هل هو العامل السابق وحده؟ أم شبكة المصالح التي تغذت لسنوات على التواطؤ والسكوت؟ فالمسؤولية هنا ليست فقط عن فشل ظرفي، بل عن نموذج كامل من التدبير ظل يَحكمه منطق “تأجيل الانفجار”.
ويكفي أن نعلم أن بعض التدخلات الحالية لتحرير الملك العمومي تكشف حجم التراكمات الخطيرة، من احتلال غير مشروع، إلى شبكات استغلال تجاري لفضاءات الدولة، جرى تمريرها بصمت ثقيل ورضى غامض.
وكالعادة، وسط هذه التحركات، ظهر من يحاول ركوب الموجة، ومن يسعى لخطف الأضواء، كما لو أن ما يحدث هو من صنيعه، أو أنه كان في الصفوف الأمامية دائمًا.
لكن الحقيقة، كما يراها المتابعون، هي أن التاريخ لا يُكتَب في تدوينات فايسبوكية، بل بما أنجز ميدانيًا، وبما تحقّق فعليًا في خدمة المواطن واسترجاع هيبة القانون.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تتعظ الداخلية من هذه التجربة؟ وهل يصبح رحيل حبوها عن بركان نقطة فاصلة بين مرحلتين: مرحلة التسيب، ومرحلة التصحيح؟
اليوم، الأمل معقود على أن تكون هذه الصحوة التي تعيشها السعيدية حقيقية، وأن لا تكون مجرد رد فعل مؤقت على “سوء التسيير السابق”، بل مقدمة لتحول عميق وشامل يعيد الاعتبار للمجال العمومي، ويُرسخ سلطة القانون بعيدًا عن الأهواء والتعليمات غير المكتوبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد