“حياة الماعز” بنسخة بشرية: حراس أمن القصر الكبير يصرخون في صمت المستشفى

هبة زووم – إلياس الراشدي
في مشهد يعيد إلى الأذهان تلك القصص المؤلمة التي جسدها فيلم حياة الماعز، ليس من حيث الشكل ولكن من حيث المضمون الإنساني، يعيش عدد من حراس الأمن الخاص بالمستشفى المتعدد التخصصات بمدينة القصر الكبير وضعاً مزرياً، تتراكم فيه المعاناة بصمت، ويتفاقم فيه الإحساس بالحكرة واللاعدالة.
صباح يوم الأربعاء 18 يونيو الجاري، نظم هؤلاء الحراس وقفة احتجاجية أمام بوابة المستشفى، رافعين أصواتهم ضد تكرار مسلسل تأخير صرف الأجور، والذي طالهم للشهر الثاني توالياً، في ظل صمت مريب من الجهات المفروض فيها السهر على احترام دفاتر التحملات وضمان حقوق المستخدمين داخل المؤسسات العمومية.
وأكد المحتجون أن التأخير غير المبرر في صرف أجورهم تسبب في ضرب استقرارهم الأسري والاقتصادي في العمق، خاصة وسط موجة غلاء خانقة والتزامات معيشية تزداد قسوة يوماً بعد يوم.
ويتساءل المحتجون بمرارة: كيف يُطلب منهم أداء واجبهم بحزم ومهنية، بينما حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الأجر الشهري، يتم التلاعب بها وكأنهم كائنات خارج المنظومة الإنسانية؟
ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها حراس الأمن بهذه المؤسسة الصحية لهذا النوع من التجاهل. بل هو سيناريو يتكرر بنسخ مملة، دون تدخل فعلي من الجهات المتعاقدة، أو حتى من المسؤولين الإداريين المحليين، الذين يكتفون بالمشاهدة دون أدنى مساءلة أو تحميل للمسؤوليات.
الاحتجاج الأخير أعاد طرح سؤال شائك طالما أحرج الجهات الوصية: من يراقب التزام شركات الحراسة الخاصة بدفاتر التحملات؟ ولماذا تستمر بعض الشركات في الإفلات من المحاسبة رغم الخروقات المتكررة؟ وهل يعقل أن يظل المستخدمون في مؤسسات عمومية رهائن لشركات لا تحترم أبسط قواعد التعاقد والكرامة المهنية؟
حراس الأمن، وهم الواجهة الأولى في مؤسسات حيوية كالمستشفيات، يؤدون مهامهم في ظروف لا تخلو من الضغط والمخاطر، ومع ذلك، فإن تعامل الجهات المتعاقدة معهم لا يعكس سوى قدر مؤلم من الإهمال الإداري والسياسي، ما يجعلهم يشعرون أنهم مجرد أرقام في منظومة بلا ضمير.
الوقفة الاحتجاجية بالقصر الكبير ليست سوى نموذج مصغّر لأزمة أوسع تطال آلاف المستخدمين في قطاع الحراسة الخاصة بالمغرب، حيث تسود الهشاشة، ويتكرر العبث بالأجور، وتغيب أي آلية فعالة لمراقبة احترام الحقوق الشغلية داخل هذا القطاع الهامشي من الناحية القانونية، والمركزي من حيث الدور الذي يلعبه فعلياً في أمن وسلامة مرافق الدولة.
المطالب واضحة: صرف الأجور في وقتها، فتح تحقيق في ظروف الاشتغال، محاسبة الشركات التي تُخل بالتزاماتها، وتفعيل الرقابة المؤسساتية، وهي مطالب عادلة، لا تحتاج إلى أكثر من احترام الحد الأدنى من الكرامة والالتزام بالقانون.
وفي الأخير، يمكن القول أنه عندما تصبح أجور حراس الأمن الخاص في المستشفيات مجرد امتيازات مؤجلة، وحين يتحول الكدح الليلي والنهاري إلى عبء بلا مقابل، فإن الدولة مدعوة – قبل أي جهة أخرى – إلى الوقوف عند مسؤولياتها، لأن الكرامة ليست شعاراً في خطابات السياسة، بل التزاماً في أبسط مظاهره: أن يُؤدى الأجر في وقته، لمن يحرسون المرافق التي تخدم الوطن.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد