هبة زووم – إلياس الراشدي
رغم تغيّر الوجوه داخل السلطة المحلية بمدينة برشيد، ورغم التنقيلات التي شملت عدداً من رجال الإدارة الترابية، يبقى واقع الحال على ما هو عليه، إن لم نقل إنه ازداد استفحالاً.
فعلى مرأى ومسمع الجميع، تحولت ظاهرة الاحتلال المؤقت للملك العام إلى نوع من السطو الممنهج والاستيلاء المطلق، بل الحيازة الواقعية لأجزاء من الفضاء العمومي، في تحدٍّ صارخ للقانون، وتواطؤ ضمني من الجهات التي يفترض أن تحمي الحق العام لا أن تصمت عنه.
ففي عدد من الأحياء والشوارع، لم يعد الرصيف مجرد ممر للمشاة أو حق مشترك للمواطنين، بل أصبح امتداداً لواجهات محلات تجارية تتوسع يومًا بعد يوم، بل وتتجرأ على تسوير وتغطية المساحات العمومية بالجدران أو الأخشاب أو ألواح الصفيح، وكأننا أمام تقسيم سكني عشوائي جديد، لكنه هذه المرة فوق أملاك الدولة وفي قلب الحاضرة.
هذا الاحتلال العلني والفج للملك العمومي، الذي يبدأ من “عربة فواكه موسمية” ولا ينتهي عند “بناية خشبية مقننة عرفياً”، يكشف مدى هشاشة السلطة المحلية، أو ربما تغاضيها المقصود عن هذه الظاهرة التي أفقدت المدينة ملامحها الحضرية، وجعلتها تتخبط في فوضى عمرانية واجتماعية خانقة.
ورغم المحاولات الموسمية للتطهير، التي كثيراً ما تتخذ طابع الحملات الظرفية، فإنها تظل بلا أثر يذكر، وتفقد مفعولها مباشرة بعد زوالها، لتعود الأمور إلى نقطة الصفر، أو ما دونها.
المواطن البرشيدي بات فاقداً للثقة تماماً في وعود السلطات، التي اعتاد سماعها كلما اقترب موسم انتخابي أو تم تعيين مسؤول جديد، واعتاد أيضاً أن يرى هذه الوعود تتبخر عند أول اختبار ميداني.
ولا تقف الفوضى عند حدود احتلال الأرصفة، بل تمتد لتشمل الساحات العمومية التي تحولت إلى أسواق عشوائية يومية، تعجّ بالباعة الجائلين والفراشة، وما يصاحبهم من دواب وعربات وأكوام أزبال وروائح تزكم الأنوف.
في وضح النهار، تُرسم مشاهد البداوة وسط المدينة، وفي الليل، تُترك آثار العبث لتؤثث مشهداً حضرياً منكسر الهوية، عاجز عن احتواء الحد الأدنى من النظام والنظافة.
وفي ظل هذا الوضع، يُطرح السؤال الحارق: أين هي السلطة؟ ومن المستفيد من استمرار هذا العبث؟ هل يتعلق الأمر بعدم كفاءة في التدبير؟ أم أن هناك مصالح تحرس هذا “الاحتلال المقنن” عن بعد؟ وهل نحن أمام دولة قانون فعلاً، أم أمام مزاج محلي يكيف القوانين بحسب منطق “دع الأمور تسير كما هي”؟
لقد حان الوقت لتتدخل وزارة الداخلية وتعيد ترتيب الأوراق في برشيد، فالسكوت لم يعد ممكناً، والتواطؤ أصبح مكشوفاً، والمواطن فقد الأمل في سلطات لا تتحرك إلا عندما يعلو صوت الاحتجاج.
تعليقات الزوار