هبة زووم – الرباط
توشّحت شوارع خريبكة بلون رمادي قاتم، يعبّر عن حال مدينة تتخبط في ركود اقتصادي خانق، وواقع تنموي يراوح مكانه، رغم تعاقب المسؤولين ووعود الإصلاح.
ومع تعيين العامل الجديد العلوي المدغري، كان الأمل معقودًا على بداية تغيير طال انتظاره، إلا أن البدايات الأولى توحي بأن الطريق ما يزال وعرًا، وأن ساكنة خريبكة ستظل أسيرة دائرة الانتظار.
في قلب المدينة، احتجاجات صامتة وملامح ناقمة تسكن وجوه العابرين، بينما يتخذ الغضب شكلًا مكتومًا يخترق الهدوء الزائف.
بين من فرّ صوب مدن أخرى بحثًا عن مستقبل أفضل، ومن بقي يترقب بارقة أمل من إدارة جديدة، تتوالى مشاهد الخيبـة الجماعية في منطقة تعد من أغنى أقاليم المملكة بالفوسفاط، وأفقرها على مستوى العدالة المجالية والتنمية البشرية.
مدينة خريبكة، التي كانت تُلقب بـ”عاصمة الفوسفاط”، باتت اليوم حقلًا خصبًا للبطالة والإقصاء، في ظل غياب أي رؤية اقتصادية قادرة على خلق فرص شغل حقيقية، وبُنى تحتية تحترم الحد الأدنى من كرامة المواطن.
الشباب العاطل أصبح مادة أساسية في تقارير الهجرة والبطالة، ومصدر قلق حقيقي داخل الأسر التي ترى أبناءها يُستهلكون في المقاهي بدل المصانع، أو يُستقطبون في مشاريع الهجرة السرية بدل المشاريع التنموية.
في مقابل هذا الاحتقان الشعبي، يبدو أن بعض الفاعلين السياسيين المحليين قد اختاروا موقع “المتفرّج المطيع”، بعد أن قدّموا ضمائرهم قرابين على مذبح المصالح الضيقة، وتحولوا إلى أدوات لتلميع صورة سلطات فقدت البوصلة، بدل أن يكونوا صوتًا للناس وهمومهم.
إن السياسة التي تُمارس بخريبكة، كما يرى كثيرون، خالية من الضمير والأخلاق، تحكمها قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة”، حيث تغيب الشفافية ويُستباح المال العام دون محاسبة.
هذا الفراغ الأخلاقي والسياسي ساهم بشكل مباشر في إضعاف الثقة، وإشاعة ثقافة اللامبالاة واللامسؤولية في تدبير الشأن المحلي.
الأنظار كانت متجهة نحو العامل العلوي المدغري، الذي استبشر به البعض خيرًا بالنظر إلى تكوينه وتجربته، لكن المؤشرات الأولية لا توحي بوجود تحول جوهري في آليات التدبير أو أفق التنمية.
غياب الخطاب الواضح، وانعدام المبادرات الميدانية الفعالة، جعل سكان خريبكة يتساءلون ما إذا كانت الولاية الجديدة للعامل ستعيد إنتاج نفس الفشل، أم أنها ستحمل مفاجأة إيجابية تقطع مع منطق التسيير البيروقراطي البارد.
ما تعانيه خريبكة اليوم ليس فقط أزمة مشاريع أو بنية تحتية، بل أزمة ضمير في المقام الأول. تحتاج المدينة إلى مسؤولين يملكون جرأة الاعتراف بفشل السياسات السابقة، وشجاعة المبادرة لا مجرد إدارة الأزمة.
فخريبكة ليست مجرد بقعة جغرافية غنية بالفوسفاط، بل كيان اجتماعي وإنساني يستحق حياة أفضل، وحين تُدفن الضمائر، تموت المدن.
تعليقات الزوار