هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في إقليم أزيلال، حيث الطبيعة قاسية والتاريخ ناطق بالمقاومة والصبر، لا تزال التنمية تتعثر على عتبات السلطة، وتتوه في دهاليز ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الرشوة الخفي”، نموذج مغربي محلي يعيد إنتاج الفساد بأدوات ناعمة ولغة إدارية ناعسة.
فمنذ توليه المسؤولية، لم ينجح العامل حسن بنخيي، حسب عدد من المتتبعين المحليين، في وضع حد لهذا النمط المتكرر من تدبير الشأن العام، بل إن كثيرين يرون أن الإقليم دخل نفقًا جديدًا من الرداءة المقنّعة، حيث تغيب الرقابة الصارمة، وتُستبدل بحضور شكلي لا يُمس البُنية العميقة للخلل.
الميزانيات في أزيلال لا تُدار بمنطق الأولويات، بل بمنطق “المواسم”.. تُوزع كما يُوزع التمر على أنصار زعيم انتخابي؛ كأننا أمام غنيمة تُستخرج من باطن خزينة الدولة لتُسكب في جيوب “المحظوظين” أو “المرضي عنهم”. صفقات تُمرّر، أوراش تُفتح وتُغلق دون تقييم، ومشاريع تُقص شريطها في النهار وتُنسى في الليل.
في قلب هذه الصورة القاتمة، تبرز “الصناديق السوداء”، صناديق لا تُفتح للمساءلة ولا تُراجع للمحاسبة. تتحرك فيها الأموال كما يشاء رؤساء جماعات لا يفرق بعضهم بين ميزانية التسيير والتجهيز، لكنهم يتقنون التوقيع على صفقات بملايين الدراهم تنتهي إلى نافورة بلا ماء أو عمود كهربائي مائل أو دار شباب تُغلق قبل أن تُفتتح.
ليست الرشوة دائمًا درهمًا في اليد، بل قد تكون امتيازًا في الصمت، أو غض الطرف، أو تسريع ترخيص. في أزيلال، برأي مصادر محلية مطلعة، يُمارس هذا النوع من “اقتصاد الخفاء” على نطاق واسع.
بعض المسؤولين المنتخبين أو الإداريين لا يدفعون مقابل خدمة، بل يؤدون اشتراكًا شهريًا غير معلن للبقاء ضمن دائرة الضوء، أو الحماية، أو مجرد الحياد. ومن لا يدفع؟ يتعرض للتهميش، أو الإعفاء، أو القتل البطيء بالمذكرات الإدارية.
لا يُمكن التعميم. فبين هذه الممارسات، تظهر نماذج مشرقة لمسؤولين نزهاء، يحسبون الدرهم قبل صرفه، ويؤمنون بأن المال العام ليس إرثًا ولا غنيمة. لكن هؤلاء يُعاملون بريبة، ويُتهمون بأنهم “لا يعرفون كيف تسير الأمور”. في مناخ يُكافأ فيه المراوغ ويُقصى فيه الشريف، يصبح الاستثناء عارًا يُخجل الإدارة أكثر مما يُسعد المواطن.
يتساءل فاعلون محليون: أين عامل الإقليم من هذا المشهد؟ هل يعجز عن المواجهة أم أنه جزء من معادلة التوازنات التي تضمن الاستقرار الشكلي؟ في الوقت الذي كان يُنتظر فيه من العامل بنخيي أن يعيد رسم معالم سلطة صارمة تراقب وتحاسب وتُقيم، انزلق الوضع إلى نوع من “التسيب النظيف”: لا صخب ولا فضائح كبرى، لكن تآكل بطيء في الثقة، وتراجع واضح في الأداء التنموي.
في النهاية، لا تحتاج أزيلال إلى مشاريع مظهرية ولا إلى خطابات الإنقاذ. ما تحتاجه هو عدالة في توزيع الفرص، وقَطع مع الريع الإداري، وجرأة في اقتحام الصناديق السوداء التي تُخفي وراءها قصصًا من التواطؤ والصمت والانحناء.
أزيلال ليست فقط ضحية الطبيعة القاسية، بل أيضًا ضحية إدارة اختارت أن تهادن، بدل أن تواجه، وبين الحفر العشوائية وأعمدة الكهرباء المائلة، تضيع قرى بكاملها… وأحلام ناسٍ لا يريدون الكثير، فقط كرامة لا تُؤدى عنها اشتراكات.
تعليقات الزوار