أشرف أشهبار – الحسيمة
في قلب مدينة الحسيمة، وعلى طول شارعها الرئيسي الذي يفترض أن يكون عنوانًا للنظام والجمال، تصدمك أكياس الأزبال المتراكمة على المسطحات الخضراء، في مشهد صارخ يتحدى الذوق العام، ويهدم كل محاولات التزيين الحضري التي تحاول السلطات المحلية تقديمها كواجهة لمدينة متوسطية وسياحية بامتياز.
لا يتعلق الأمر بحالة طارئة أو استثناء عابر، بل بمشهد يتكرر يوميًا، حتى بات جزءًا من روتين الحياة العامة. هذه الأكياس المتراكمة بشكل عشوائي، التي تتماهى بشكل فجّ مع أرصفة مزدانة بالأزهار وأعمدة إنارة حديثة، تعكس تناقضًا بصريًا ونفسيًا صعب الهضم.
تناقضٌ يختزل بدقة خللًا عميقًا في تدبير قطاع النظافة بالمدينة، ويُبرز هشاشة التنسيق بين الجهات المسؤولة، في زمن يُفترض فيه أن تكون البيئة أولوية قصوى.
فمع اشتداد درجات الحرارة في فصل الصيف، تتحول هذه النفايات إلى قنابل صحية موقوتة؛ بؤر لتكاثر الذباب والناموس والحشرات الناقلة للأمراض، ناهيك عن “عصير الأزبال” الذي يسيل على الإسفلت مشكلًا بقعًا سوداء تمتص الجمال من المكان وتبعث روائح تزكم الأنوف، وتشي بواقع بيئي ينذر بالخطر.
الغريب في الأمر، أن هذه الممارسات لا تثير سوى ردود فعل خجولة من الجماعة الترابية أو السلطات المحلية، وكأن الأمر لا يستدعي الطوارئ.
ورغم الشكاوى المتزايدة من السكان والزوار، فإن التعامل مع الظاهرة ما يزال موسميًا، ترقيعيًا، ودون أي رؤية استراتيجية للتخلص من النفايات أو إشراك المواطن في الوعي البيئي الجماعي.
المدينة التي يُفترض أن تستقبل آلاف السياح والمصطافين، وجب أن تتأهب لا فقط بتوفير الأمن والأنشطة الثقافية، بل أيضًا برفع مستوى النظافة وتوفير بنية بيئية متكاملة تحفظ جمال المكان وصحة الإنسان.
إلا أن ما نشاهده حاليًا في الحسيمة، لا يُوحِي سوى بعجز مؤسسي في مقاربة الموضوع، وتراخٍ إداري في محاسبة الشركات المفوض لها جمع النفايات، أو في فرض احترام مواعيد الشفط والنقل.
هذا الوضع يُحيلنا على سؤال جوهري: من يتحمل مسؤولية هذه الكارثة البيئية المتنقلة؟ هل هي الجماعة التي أخلّت بواجباتها الرقابية؟ أم شركات التدبير المفوض التي تبحث عن الربح بأقل كلفة؟ أم هو المواطن الذي ما يزال جزء منه يمارس العشوائية في رمي نفاياته دون أدنى احترام للمجال العام؟
الجواب بكل وضوح: الجميع مسؤول. وإذا لم يتم تفعيل خطة بيئية صارمة، تُجمع فيها الإرادة السياسية، والنجاعة التقنية، والوعي المجتمعي، فإن الحسيمة ماضية نحو مزيد من التشوه البصري، والانحدار البيئي، وخسارة ما تبقى لها من إشعاع سياحي.
الحسيمة ليست مجرد لوحة جميلة تُلتقط لها الصور على منصات التواصل، بل كيان حيّ، بيئة وسكان وزوار، يحتاجون إلى جودة حياة يومية، تبدأ من نظافة الشوارع ولا تنتهي عند حدود التجميل السطحي.
فهل تتحرك الجهات المعنية قبل أن تغرق المدينة أكثر في “أزبالها”؟ أم سنواصل التعايش مع القبح تحت لافتة “الاعتياد”؟
تعليقات الزوار