يوسف عمروي
في بلد يتقن فيه المركز التفرج على الهوامش من أعلى، جاءت مسيرة آيت بوكماز كصفعة ناعمة على خد اللامبالاة. لم تكن المسيرة مجرد احتجاج تقليدي، بل كانت علامة فارقة في علاقة المركز العميقة والمعقدة مع مناطقه الجبلية المنسية أو المستبعدة أو المستثناة اقتصاديا وثقافيا، المسيرة لم تكن فقط فعلا احتجاجيا، بل كانت إعلانا وجوديا،”نحن هنا، في الهامش، نرى، نسمع، ننتظر، ونفقد صبرنا شيئا فشيئا “.
إن قرار ساكنة آيت بوكماز السير مشيا على الأقدام لعشرات الكيلومترات، لم يكن من أجل المطالبة بالمستحيل، بل أرادوا فقط أن يُنظر إليهم كـمواطنين، لا كظل جغرافي (آيت أومالو كما يطلقون على أنفسهم)، إنه لحظة من اللحظات السياسية الناذرة التي أربكت الحكومة ومؤسسات الدولة على اختلاف مستوياتها، مسيرة آيت بوكماز لم يكن حجمها مصدر ارباك، بل بساطة مطالبها، لم يخرج الناس للمطالبة بمشاريع كبرى، بل خرجوا يرفعون مطالب لا تتعدى حدود الكرامة اليومية:
• طريق مهيأة تربطهم بالعالم،
• وسيلة نقل تحمي أطفالهم من الهدر المدرسي،
• طبيب قار ومركز صحي مجهز،
• سيارة إسعاف تنقذ الأرواح قبل أن يسبقهم الموت،
• تغطية الهاتف والإنترنت،
• ملعب صغير ومساحة للشباب،
• مركز تكوين يناسب بيئتهم،
• ماء صالح للشرب، وسدود تقيهم الفيضانات.
مطالب بديهية، لكنها غير موجودة وهنا وقع الارتباك الحقيقي: حين كشف البسطاء أن غياب الحد الأدنى من الخدمات ليس قدرًا، بل نتيجة لا مبالاة مزمنة، وكأن الدولة ومؤسساتها عجزت عن تأمين أبسط الضروريات، وفقدت بذلك مبرر سلطتها الأخلاقية قبل السياسية في لحظة، تهاوت سردية التنمية وتكافؤ الفرص، وظهر جليًا أن التهميش لا ينتج عن صعوبة التضاريس، بل عن غياب الإرادة.
ويتعاظم الارتباك حين تكشف مسيرة آيت بوكماز أن المطالب التي رفعتها كان يُفترض أن تكون جزءًا من مضامين “مسار الثقة” لحزب التجمع الوطني للأحرار، أو ضمن شعار “تحقيق الممكن” الذي يرفعه حزب الأصالة والمعاصرة، أو حتى في إطار البرنامج الحكومي المشترك الذي يتحدث عن تمكين المواطن من تطوير ذاته داخل مجتمع مرتكز على القيم. ويتعمق هذا الارتباك أكثر عندما ندرك أن آيت بوكماز، من الناحية الرسمية، ليست منطقة منسية، فهي مدرجة ضمن المناطق المشمولة بصندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية، وتشملها تدخلات الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، كما تقع ضمن اختصاصات وكالة تنمية الأطلس الكبير، وتندرج في إطار مشاريع استراتيجية الجيل الأخضر. وتشملها كذلك تدخلات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في مجالات التعليم والصحة والرياضة، إضافة إلى تدخلات وزارة التجهيز والماء، أما التغطية بالهاتف والإنترنت فهي من اختصاص الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات التي يُفترض بها قانونًا ضمان تعميم الولوج إلى شبكات الاتصال. ورغم كل هذه المؤسسات، وما تتوفر عليه من ميزانيات ضخمة واستراتيجيات معلنة وخطابات رسمية مفعمة بالوعود، فإن الواقع الميداني لم يشهد أي تحرك فعلي إلا بعد أن انفجر صبر السكان تحت ضغط المعاناة في أعالي الجبال.
إذا كان ارتباك الحكومة والمؤسسات ناتجًا عن بساطة المطالب، فإن ارتباك حزب العدالة والتنمية نابع من مفارقة أكثر إحراجا، أحد أبرز المحتجين، وأحد من قادوا المسيرة، هو نفسه رئيس جماعة تبانت، المنتخب باسم الحزب نفسه، فكيف لحزب يتولى تدبير الجماعة أن يحتج على التهميش الذي يُفترض أنه يعمل على رفعه؟ وكيف يمكن فهم وجود رئيس الجماعة، في طليعة المسيرة الاحتجاجية التي وجهت رسائلها إلى السلطة الإقليمية؟ الجواب يكشف عمق الإشكال بين مسؤولية التمثيل المحلي وواقع سلطة الوصاية التي تحكم قبضتها على مسار التنمية الإقليمية والجهوية في تقاطع مع المؤسسات التي من المفترض أن آيت بوكماز وغيرها من المناطق المشابهة لها تدخل في نطاق اهتماماتها، فقد صرح بأن طلباته منذ أكثر من شهر ظلت حبيسة المكاتب، وأنه اضطر للمشاركة في المسيرة لأنه لم يعد ممكنا، لا سياسيا ولا أخلاقيا، أن يصمت. تصريح رئيس جماعة تبانت عرى معضلة بنيوية أنه مهما حمل المنتخب المحلي من إرادة وإخلاص، فإنه بدون انفتاح سلطة الوصاية ومؤسسات الدولة، تظل الجماعة إطارا محدودا، بل أحيانا مجرد واجهة للعجز.
في مقابل انخراط رئيس جماعة تبانت – باسم حزب العدالة والتنمية – في المسيرة، ظل المستوى المركزي للحزب متحفظا، مترددا، وكأن ما يحدث في آيت بوكماز يقع خارج جسده التنظيمي. لم يُبْدِ الحزب في مركزه أي حماس علني للمسيرة، ولم يتبنَّاها كخطوة نضالية مشروعة تعبّر عن اختياراته السياسية، بل تناولها من زاوية تقنية ضيقة، باعتبارها حالة من “الاختلالات التنموية” التي تتحمل الدولة مسؤوليتها.
هذا الموقف البارد، المتردد، كشف عن ازدواج في الموقف الحزبي فمن جهة، يحتج أحد منتخبيه في الميدان، ويمشي مع الساكنة حاملا مطالبهم ومن جهة أخرى، يكتفي المركز بلغة تحليلية، لا نضالية، ويُجنب نفسه التورط في صدامٍ مع السلطة، هكذا وجد الحزب نفسه بمحض الصدفة بين خيار الاستمرار كقوة مؤسساتية معتدلة تحترم قواعد اللعبة، أو تبني حركية اجتماعية صاعدة تعبّر عن التهميش الحقيقي الذي يعيشه المغرب العميق.
رغم كل ما قيل عن ارتباك حزب العدالة والتنمية، فإن قيادة منتسبيه – وعلى رأسهم رئيس جماعة تبانت – لهذه المسيرة الشعبية لا تخلو من حمولة سياسية ثقيلة. لقد كانت، في جوهرها، رسالة مبطنة موجهة إلى المخزن والفاعلين السياسيين الآخرين على حد سواء. رسالة مفادها إن من يظنون أن الحزب قد انتهى بعد خروجه من الحكومة، فهم واهمون. وأن للحزب جذورا و لا تزال قواعده تحرك الهامش حين تقرر ذلك، وأنه قادر على إعادة ترتيب حضوره، وهي تذكير عملي لسلطة الوصاية بأن السيطرة على المؤسسات لا تعني السيطرة على المجال، وأن عودة الحزب لا تمر بالضرورة من البرلمان، بل من ساكنة تشعر أنها لن تخسر شيئا حين تتكلم.
أما الارتباك الثالث، فكان في صفوف بعض الفعاليات الأمازيغية التي لطالما قدّمت نفسها بوصفها الناطقة باسم المغرب العميق، والمدافعة عن قضايا الهوية، واللغة، والتهميش الجغرافي. لكن حين تحرّكت ساكنة آيت بوكماز، وحين خرج الناس من سفوح الجبال في مسيرة لامست العمق السياسي والاجتماعي، لم تكن هذه الفعاليات في المقدمة، ولا حتى في المشهد. من قاد المسيرة، ومن حمل مطالب السكان، ومن استقطب الاهتمام، هو حزب سياسي محسوب على الخصوم. يكمن الارتباك في كون حزب محافظ، ذو مرجعية إسلامية، ينصت للجبل ويعبر عنه، في حين اكتفت بعض الفعاليات الأمازيغية بالمراقبة والتأويل، لكن الميدان لا يعترف بالاحتكار الثقافي، بل بمن يحضر ويؤطر وينصت.
لقد شعرت بعض الأصوات الأمازيغية واليسارية أن مجالها الرمزي استعمل من طرف غيرها، وأن خطاب الهامش خرج من أيديها دون استئذان. في السياسة، لا يكفي أن تكون الأقرب ثقافيا، بل يجب أن تكون الأسبق ميدانيًا.
وأمام غيابها الميداني عن المسيرة، وجدت بعض الفعاليات الأمازيغية نفسها في وضع صعب فالمجال الذي طالما قدمت نفسها كناطقة باسمه تحرك دونها والمسيرة التي عبرت عن تهميش الهامش لم تمر عبر قنواتها الرمزية أو نخبها الثقافية.
وفي محاولة لـتصريف هذا الارتباك، تم التركيز على رمزية الكوفية التي كان يرتديها رئيس الجماعة، المحسوب على حزب العدالة والتنمية، واعتبرت من طرف بعض الأصوات رمزا للانشغال بقضايا خارجية (فلسطين) على حساب قضايا الداخل (المغرب العميق، والهوية الأمازيغية، والتنمية المحلية). وهكذا، تحوّل لباس شخصي إلى منصة تأويل ثقافي/سياسي، وتحول الفعل الاجتماعي إلى ساحة لتصفية حسابات رمزية. لكن هذا التأويل يخفي وراءه حقيقة مؤلمة أن بعض من يتحدثون باسم الهامش، حين لا يقودون حركته، يفضلون نقد من تحرك، لا نقد أنفسهم على الغياب.
الارتباك الرابع يمكن تلخيصه في شعار”تازة قبل غزة”، والذي ظل يرفع في مواجهات خطابية بين التيارات السياسية والثقافية، حيث استخدم كثيرا للتشكيك في أولويات بعض الأطراف، خصوصا الإسلامية، التي وصمت بأنها تعطي القضايا الخارجية (فلسطين مثلًا) الأولوية على حساب قضايا الداخل والمجال المحلي. لكن ما وقع في مسيرة آيت بوكماز أحرج حاملي هذا الشعار وأربكهم، فرئيس الجماعة الذي قاد المسيرة الاجتماعية المطلبية، كان يرتدي الكوفية الفلسطينية، وينتمي لحزب طالما وجّه إليه هذا الاتهام
ومع ذلك، كان في قلب الجبل، وسط الناس، يؤطرهم ويمشي معهم… لا لأجل غزة، بل لأجل طريق، وطبيب، ومدرسة، وماء. وهكذا وجد أصحاب هذا الشعار أنفسهم أمام تناقض فج: من حمل الكوفية حضر في “تازة” ومعها، ومن ظل يُزايد بأولوية “تازة”، لم يُرَ لا في الجبل، ولا في الوديان. لقد اصطدم هذا الشعار بالفعل الميداني، الذي أظهر حقيقته التي لا تغدو أن تكون مجرد قفازات أيدولوجية تستخدم في المعارك الثقافية، لكنها لا تبني طريقا، ولا تفتح مدرسة، ولا توقف نزيف التهميش.
لكن الارتباك الأعمق لم يأتِ من السلطة، ولا من الأحزاب، ولا من الفعاليات الثقافية أو غيرها، بل جاء من أفواه المشاركين أنفسهم، حيث صرح كثيرون في خضم المسيرة بوضوح أنه لا يؤطرهم انتماء سياسي، ولا يحركهم أحد، هذا التصريح ظاهريا بريء لكنه صادم في جوهره. إنه بيان من لا انتماء له وصوت من لم يعودوا يثقون في أحد، ولم يعودوا يؤمنون بأن هناك جهة تمثلهم بحق. هذا الانسحاب النفسي الجماعي من كل ما يرمز للتمثيلية، للفعل السياسي، للمواطنة النشيطة، هو أخطر من الاحتجاج نفسه. هذه ليست حركة احتجاج فقط، بل هي صرخة فقدان الثقة الكاملة، وانقطاع الرابط النفسي بين المواطن والمؤسسات وأصبحت معه كل أشكال الوساطة بلا معنى، وكل الشعارات مجرد ضوضاء لا تحرّك وجدانا أنهكه الانتظار.
اليوم، وبعد تلك المسيرة، لم تعد آيت بوكماز وحدها في الانتظار. لقد سقط جدار الصمت، وخرج الناس من رحم التهميش، لا لأن أحدا حركهم من الخارج، بل لأن الصبر بلغ منتهاه. إن الأمل، حين يمنح، لا يسحب كما تسحب الوعود والتصريحات. فمن أدرك أن له صوتا، لن يعود إلى السكوت. ومن جرب أن يمشي من أجل حقه، لن يقبل بالفتات من جديد. ومن كان يظن أنه يحكم المجال بالصمت، فاته أن الصمت لم يكن رضا… بل احتقانا، وأن الذين ظلوا في الهامش، لم يكونوا غافلين، بل كانوا في هدنة نفسية مع واقع جائر…
وأخيرا آيت بوكماز لم تكن صرخة ضد مؤسسة واحدة، بل مرآة صدق عكست صورة وطن يُهمل أطرافه، ثم يتفاجأ حين يصله صداها المقلق. إن التهميش ليس قدرا طبيعيا، بل جريمة تشاركية بدرجات متفاوتة:
• من المواطن البسيط في المدن الكبرى، الذي انشغل برفاهه واكتفى بالفرجة على خريطة الوطن من شاشة الهاتف، دون أن يلتفت إلى أطراف المدن التي لا تصلها حتى شبكة الهاتف والأنترنت.
• إلى المؤسسات المعنية بالتنمية، التي أنشئت خصيصا من أجل هذه المجالات، ولكنها اختارت أن تشتغل على الورق فقط، أو تغرق في التنظير والدارسات التي تلتهم الميزانيات كالنار في الهشيم.
• إلى المنتخبين السياسيين وممثلي السكان على كل المستويات، الذين فرّطوا في أدوارهم، إما بالصمت أو بالمحاباة أو بالعجز أو الفساد.
• إلى السلطات المحلية والإقليمية والمركزية، التي تمتلك الصلاحيات والوسائل والميزانيات، لكنها تركت الجبل وهوامش المدن تواجه قدرها وحدها.
• وأخيرا إلى المواطن المستأنس بالتهميش، الذي أقنعوه أن الهامش قدر، وأن الصمت نجاة، حتى أصبح يشكّ في حقه في هذا الوطن.
لكن الجبل اليوم قال كلمته، نحن هنا، ولا نطلب المستحيل، بل فقط أن نُعامل كمواطنين، فهل سيفهم الجميع الرسالة… قبل أن تتكلم جبال وهوامش أخرى بصوت أعلى؟
يوسف عمروي
باحث في مجال الذكاء الاقتصادي ووسائل اتخاذ القرار الترابي التشاركي.
تعليقات الزوار