هبة زووم – الرباط
في وقت تتجه فيه الساحة السياسية المغربية نحو استحقاقات تشريعية حاسمة، اختار عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، رفع نبرة التحذير من أي محاولات للتأثير على العملية الانتخابية أو رسم ملامح نتائجها قبل أن يقول الناخب كلمته داخل صناديق الاقتراع.
بووانو، الذي جدد خلال مشاركته في برنامج “للحديث بقية” على القناة الأولى، تشبث حزبه بخطاب المسؤولية والوضوح السياسي، لم يكتف بالدعوة إلى انتخابات نزيهة، بل وضع ما وصفه بمحاولات التحكم في المسار الانتخابي في صلب النقاش السياسي، محذراً من إعادة إنتاج ممارسات من شأنها تحويل الانتخابات من آلية لاختيار ممثلي المواطنين إلى مجرد واجهة لنتائج تكون قد حُسمت مسبقاً.
والأخطر، وفق الطرح الذي قدمه بووانو، ليس فقط التدخل المباشر في الانتخابات، وإنما خلق انطباع لدى المواطنين بأن المعركة الانتخابية محسومة سلفاً، وأن هوية رئيس الحكومة المقبلة أو ملامح الأغلبية الحكومية باتت معروفة قبل أن يتوجه الناخبون إلى مكاتب التصويت.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: إذا كان المواطن هو صاحب السيادة في الانتخابات، فمن يملك حق تحديد الفائز قبل أن تُفتح الصناديق؟
واستحضر رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية تجارب سياسية سابقة شهدت محاولات لصناعة بدائل سياسية، في إشارة إلى ما يعتبره حزبه تدخلاً في هندسة المشهد الحزبي والانتخابي بدل ترك التنافس السياسي يسير وفق قواعد الديمقراطية وتوازنات المجتمع.
كما توقف عند ما يتم تداوله بشأن حسم رئاسة الحكومة المقبلة لصالح أسماء أو أحزاب بعينها، معتبراً أن مجرد ترسيخ مثل هذه الصورة في الوعي العام قبل الاقتراع من شأنه أن يوجه الناخبين ويضعف ثقتهم في جدوى المشاركة السياسية.
فالانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد يوم للتصويت، وإنما مسار كامل يفترض أن تتوفر فيه شروط المنافسة المتكافئة، وأن يشعر المواطن بأن صوته قادر فعلاً على تغيير موازين القوى.
أما عندما تنتشر قناعة بأن النتائج محددة سلفاً، فإن الخطر لا يتوقف عند حدود حزب سياسي أو مرشح بعينه، بل يمتد إلى صورة المؤسسات الديمقراطية برمتها.
ومن هنا جاءت تحذيرات بوانو من “الدوباج السياسي”، باعتباره ممارسة تفرغ المنافسة الانتخابية من مضمونها، وتخلق تفاوتاً غير مشروع بين المتنافسين، خصوصاً عندما تتداخل عوامل النفوذ والموارد والقدرة على التأثير في المجال السياسي.
ولا تبدو مخاوف بوانو معزولة عن سؤال أوسع يتعلق بعزوف المواطنين، وخاصة الشباب، عن المشاركة السياسية. فالمواطن الذي يعتقد أن صوته لن يغير شيئاً، وأن موازين السلطة تحدد خارج صناديق الاقتراع، لن يجد بالضرورة الدافع الكافي للانخراط في العملية الانتخابية، وهذا هو الخطر الحقيقي.
فالانتخابات لا تفقد قيمتها فقط عندما يتم خرق القانون، وإنما تبدأ أيضاً في فقدان معناها عندما يفقد المواطن الثقة في أن صوته له وزن وتأثير.
لذلك، فإن الدعوة إلى انتخابات حرة ونزيهة لا ينبغي أن تظل مجرد شعار انتخابي ترفعه الأحزاب في موسم الاستحقاقات، بل يجب أن تتحول إلى التزام سياسي ومؤسساتي واضح، يبدأ من ضمان تكافؤ الفرص وينتهي باحترام النتائج التي يفرزها الناخبون.
وبالنسبة إلى بوانو، فإن معالجة اختلالات المرحلة المقبلة لا يمكن أن تتم عبر هندسة مسبقة للمشهد السياسي، ولا عبر توزيع الأدوار قبل موعد الاقتراع، وإنما من خلال ترك الصندوق يقول كلمته.
وفي نهاية المطاف، يظل السؤال الذي يفرض نفسه على مختلف الفاعلين: هل ستكون الانتخابات المقبلة مناسبة حقيقية لاختبار الإرادة الشعبية، أم أن المغاربة سيجدون أنفسهم أمام مشهد سياسي جرى رسم خطوطه العريضة قبل أن يدخلوا إلى مكاتب التصويت؟ الجواب لا ينبغي أن تصنعه التسريبات ولا التوقعات ولا موازين النفوذ، وإنما يفترض أن يكون واضحاً وبسيطاً: الصندوق أولاً، وإرادة الناخب فوق الجميع.
تعليقات الزوار