سطات: وكالة حضرية تسير بالهاتف من مراكش ومغاربة العالم ضحايا لواقع إداري بئيس

هبة زووم – أحمد الفيلالي
في الوقت الذي يحرص فيه جلالة الملك محمد السادس على التأكيد، عامًا بعد عام، على ضرورة تحسين ظروف استقبال مغاربة العالم وتيسير اندماجهم الاقتصادي والاجتماعي بأرض الوطن، تصر بعض المؤسسات على السباحة عكس التيار، بل والتمادي في ممارسات بيروقراطية تُجهض أي أمل في تحوّل هذا التوجيه الملكي إلى واقع ملموس.
الوكالة الحضرية لسطات مثال صارخ لهذه المفارقة المؤلمة. فبينما تستقبل المدينة المئات من أبناء الجالية المقيمة بالخارج الراغبين في الاستثمار أو تصفية ملفات عقارية، يُفاجأ الجميع بأن مدير الوكالة “يديرها عن بُعد” من مراكش، حيث يقيم، عبر الهاتف فقط، في سلوك إداري أقل ما يقال عنه إنه استفزازي ولامسؤول.
وكالة بمدير غائب.. وسماسرة حاضرون
غياب المدير فتح المجال أمام فوضى شبه ممنهجة داخل الوكالة، جعلت منها أرضًا خصبة للسماسرة والوسطاء الذين يستهدفون، بشكل خاص، أفراد الجالية الباحثين عن أبسط المساطر الإدارية لتشييد منزل أو الاستثمار في عقار.
هؤلاء المرتفقون الذين جاؤوا حاملين الحلم وشيئًا من الحنين، يُصطدمون بجدران من التسويف والتأجيل، وأحيانًا الابتزاز غير المباشر.
ويُعزى استمرار هذا الوضع، بحسب متابعين، إلى قرب المدير من وزيرة إعداد التراب الوطني فاطمة الزهراء المنصوري، ما يطرح تساؤلات جدية حول مفهوم ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومدى قدرة المؤسسات الوصية على مراقبة أداء من هم تحت سلطتها.
“مرحبا”.. كلمة يتآكل معناها
في الوقت الذي تُضخ فيه الملايير في برامج استقبال مغاربة المهجر تحت شعار “مرحبا”، يجد العائدون أنفسهم يواجهون واقعا بيروقراطيا مريرًا، فيتساءلون: هل “مرحبا” مجرد ابتسامة عابرة في المطار؟ أم أنها التزام سياسي وإداري بخلق شروط الكرامة والنجاعة في المعاملات؟
الحقيقة أن الوكالة الحضرية بسطات تحولت إلى مقبرة صامتة للمشاريع، حيث تظل الملفات عالقة، والمستثمرون عائدون أدراجهم محبطين، لا لأنهم يفتقرون إلى الموارد أو الرغبة، بل لأنهم يفتقرون إلى مخاطب مسؤول.
تسويق حكومي بلا أثر ميداني
الإشكال لا يكمن فقط في الأداء الضعيف، بل في التجميل المؤسسي للواقع: بلاغات رسمية أنيقة، صور عالية الجودة، ابتسامات وزارية على الشاشات، ووعود لا تتوقف، لكن خلف الكاميرا، تغيب النجاعة وتستفحل الرداءة، ويظل المواطن رهينة منظومة إدارية تنتمي إلى زمن بيروقراطي انتهى عالميًا.
في ظل هذا الوضع، لا عجب أن يشعر مغاربة المهجر بأنهم “زبائن مؤقتون” بدل أن يكونوا أبناء لهذا الوطن، إنهم يأتون بدافع الحب والانتماء، لكنهم يُستقبلون بمنطق الريبة والجمود والبيروقراطية التي تُقزّم طموحاتهم، وتجعل من العودة خيارًا باهظ الثمن معنويًا وماديًا.
هل نحارب الرشوة؟ أم ننتجها؟
السؤال المؤلم الذي يُطرح بإلحاح اليوم هو: هل نحن بصدد معالجة الاختلالات فعليًا؟ أم أننا فقط نجمّلها بمسكنات لفظية وشعارات إعلامية؟ هل نحارب الرشوة أم نُنتج بيئة خصبة لها، بسياسات مرتبكة، وتسيير بعيد عن الرقابة؟
الوضع في وكالة سطات يستدعي أكثر من التنديد، إنه نموذج مصغّر لمشكلة أوسع: ضعف آليات التتبع، غياب ثقافة المحاسبة، واستمرار سياسة غض الطرف عن مسؤولين لا يحضرون إلا في الصور الرسمية أو توقيعات الأجور.
في الانتظار..
في انتظار برنامج جديد بعنوان “صبّر شويا” أو “غادي نعاونك”، يبقى السؤال الجوهري معلقًا: متى ننتقل من تسويق النوايا إلى تفعيل الالتزامات؟ متى يُحاسب مدير وكالة لا يحضر؟ ومتى يشعر مغاربة المهجر أن الوطن الذي يحبونه، يحبهم بنفس القدر؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد