قضية “إسكوبار الصحراء”: شهادة البرلماني عبد الواحد شوقي تربك دفاع الناصيري وتثير تساؤلات حول وثائق بملايين الدراهم
هبة زووم – الدار البيضاء
تواصل غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء النظر في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل الأوساط السياسية والرياضية بالمغرب، والمعروفة إعلاميًا باسم ملف “إسكوبار الصحراء”، الذي يتابع فيه كل من سعيد الناصيري، الرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي والبرلماني السابق، ورجل الأعمال المعروف عبد النبي بعيوي.
الجلسة الأخيرة، التي انعقدت، مساء اليوم الخميس، واستمرت زهاء أربع ساعات، كانت مخصصة للاستماع إلى شهادة النائب البرلماني عبد الواحد شوقي، الذي مثُل أمام المحكمة بصفته شاهدًا رئيسيًا في هذا الملف الذي تداخلت فيه شبهات الفساد المالي، وتضارب التصريحات، والارتباطات السياسية والرياضية.
في معرض رده على أسئلة هيئة المحكمة، نفى عبد الواحد شوقي بشكل قاطع الاتهامات التي وردت على لسان المتهم سعيد الناصيري، والتي مفادها أن شوقي تورط في تزوير وثائق محاسباتية مرتبطة بتسيير نادي الوداد الرياضي خلال فترة رئاسته.
وأكد شوقي أن الوثائق التي قدّمها للمحكمة سليمة، موضحًا أنها سبق أن قُدمت من طرف شاهد آخر يدعى وسام نادر، ما يعزز مصداقيتها، على حد تعبيره.
لكن المثير في تصريحاته، أنه أشار إلى لقاء جمعه بالناصيري قبل 20 يومًا من اعتقال الأخير، حيث عرض عليه هذا الأخير توقيع وثيقة مالية تقدر قيمتها بحوالي 800 مليون سنتيم، قبل أن ينشب بينهما خلاف حاد وصل حد التلفظ بكلمات نابية، وفقًا لتعبيره.
شهدت الجلسة نوعًا من التوتر حين تقدّم دفاع سعيد الناصيري بملتمس يرمي إلى الاطلاع على إحدى الوثائق التي أكد شوقي أنها أُرسلت له عبر تطبيق مراسلة على الهاتف من طرف الناصيري نفسه.
غير أن النيابة العامة سارعت إلى الاعتراض على الملتمس، مؤكدة أن الوثيقة “لا تحمل الصبغة القانونية الكافية للاعتماد عليها كدليل”، كما لا يجوز، وفقًا للقانون، تفحص هاتف شاهد خلال جلسة عمومية.
المحكمة أيّدت هذا الموقف ورفضت الملتمس، وهو ما اعتُبر صفعة جديدة لفريق دفاع الناصيري، الذي بدا مرتبكًا أمام تسلسل الشهادات وتضارب المعطيات المرتبطة بالمراسلات والمستندات المالية.
ورغم أن سعيد الناصيري حاول تبرئة نفسه من الوثائق المعنية، مؤكدًا أنه لم يكن يباشر تسيير الحسابات البنكية للنادي خلال الفترة المعنية، إلا أن هذا التصريح بدا مناقضًا لمسؤولياته القانونية كرئيس لنادٍ رياضي بحجم الوداد، ما دفع هيئة المحكمة إلى استفساره عن مصادر الوثائق المالية، ومن كان يُفوّض صلاحية التوقيع أو التعامل البنكي داخل النادي.
وتُطرح هنا أسئلة حقيقية حول البنية التسييرية والإدارية للنادي في تلك الحقبة، وما إذا كانت هناك آليات واضحة للمراقبة المالية، أم أن الأمر كان يُدار بعقلية فردية تغيب عنها الشفافية والمحاسبة.
القضية التي بدأت بوصفها شبهة مالية تحوّلت بسرعة إلى ملف متشعب يمتد إلى شبكة معقدة من العلاقات الشخصية، والمصالح السياسية، وممارسات يُشتبه أنها خاضعة لمنطق الزبونية وتضارب المصالح.
وتحظى هذه المحاكمة بمتابعة دقيقة من مختلف الأوساط، ليس فقط بسبب الأسماء الوازنة المتورطة، بل لأنها تكشف عما يمكن تسميته بـ”وجه آخر للرياضة في المغرب”، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع مواقع النفوذ، في مشهد يعيد فتح النقاش حول حكامة المؤسسات الرياضية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
بعد الاستماع المطوّل إلى شهادة شوقي، قررت هيئة الحكم رفع الجلسة مؤقتًا للاستراحة، على أن تستأنف في موعد لاحق لاستكمال باقي مراحل التقاضي، التي يُنتظر أن تكشف عن مزيد من الخيوط في هذه القضية التي تزداد تعقيدًا، وتثير الكثير من التساؤلات حول علاقة المال بالرياضة، والسلطة بالمسؤولية.
في انتظار جلسات أخرى، تظل محاكمة سعيد الناصيري ومن معه اختبارًا حقيقيًا لاستقلالية القضاء وقدرته على فك خيوط ملفات ذات أبعاد سياسية ورياضية ومالية متشابكة.