هبة زووم – محمد خطاري
في وقت تُعلن فيه الأرقام الرسمية عن تراجع طفيف في معدل البطالة، خرجت المنظمة الديمقراطية للشغل ببيان ناري، دقت فيه ناقوس الخطر بشأن ما وصفته بـ”الكارثة الاجتماعية والاقتصادية المحدقة”، التي تعصف بآمال آلاف الشباب المغربي المتعلم، والذين يُواجهون مصيرًا قاتمًا في سوق الشغل الوطني.
المنظمة، من خلال مكتبها التنفيذي، حمّلت الحكومة مسؤولية تفاقم أزمة البطالة في صفوف خريجي الجامعات والمعاهد العليا والتقنية، معتبرةً أن فشل سياسات التشغيل، وضعف مردودية البرامج الحكومية، وانكماش سوق الشغل، كلها عوامل حوّلت البطالة من ظاهرة مؤقتة إلى أزمة هيكلية تهدد الاستقرار والتنمية.
وفي بيانها، كشفت المنظمة عن معطيات صادمة: تجاوز معدل البطالة 13%، في رقم غير مسبوق، وبلغت نسبة البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا 25%، وتصل إلى 33.3% لدى النساء المتعلمات، كما ارتفع المعدل إلى 35.8% لدى الفئة العمرية 15-24 سنة، بينما 70% من خريجي الجامعات لا يجدون عملاً إلا بعد مرور خمس سنوات على تخرجهم.
أرقام تعتبرها المنظمة مؤشرًا على نزيف خطير لهدر الطاقات البشرية الوطنية، في ظل غياب آليات إدماج واقعية ومستدامة.
ولم تُخفِ المنظمة انتقادها الحاد لبرامج الحكومة، مثل “أوراش”، و”انطلاقة”، و”فرصة”، معتبرةً إياها مشاريع فاقدة للرؤية والاستدامة، لم تؤدِّ سوى إلى تبديد المال العام دون أي أثر ملموس على مؤشرات التشغيل.
وفي هذا السياق، طالبت بعرض هذه البرامج على المجلس الأعلى للحسابات وفتح تحقيقات برلمانية، خاصة وأن الغلاف المالي المخصص لها ناهز 15 مليار درهم، بينما ظل العجز في التشغيل يتفاقم.
وترى المنظمة أن تهميش القطاع العام والخضوع لتوصيات المؤسسات المالية الدولية ساهم في تقليص فرص التوظيف. وتؤكد أن عدد الموظفين المدنيين في المغرب لا يتجاوز 15.3 موظفًا لكل 1000 نسمة، وهو رقم ضئيل مقارنة بدول شبيهة مثل تونس (57)، الأردن (23)، السعودية (32)، بل وأدنى بكثير من دول أوروبية كفرنسا (91) وإسبانيا (57).
هذا، وتطرّق البيان إلى جذور الأزمة، مشيرًا إلى: هشاشة النمو الاقتصادي، خلل عميق في المناهج الجامعية وغياب مواءمتها مع سوق الشغل، انكماش الاستثمار العمومي في القطاعات الإنتاجية الكبرى، واستفحال الاقتصاد غير المهيكل الذي بات يُمثل 40% من النشاط الاقتصادي، ويبتلع أعدادًا متزايدة من خريجي الجامعات.
وفي ظل هذا الوضع المقلق، تقدّمت المنظمة الديمقراطية للشغل بجملة من المقترحات التي وصفتها بـ”الحلول الجذرية والعاجلة”، من أبرزها: إصلاح منظومة التوظيف العمومي بإحداث مناصب مالية حقيقية، خصوصًا مع اقتراب تقاعد أكثر من 293 ألف موظف بحلول 2030، إلغاء شرط السن في مباريات التوظيف العمومي الذي لا يستند لأي أساس قانوني أو دستوري، إعادة العمل بالخدمة المدنية المؤقتة كآلية لتأهيل حاملي الشهادات ودمجهم لاحقًا، إصلاح منظومة التعليم العالي، لتواكب تحولات سوق الشغل خاصة في مهن المستقبل كالصناعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، إقرار تعويض شهري عن البطالة لحاملي الشهادات الجامعية، لا يقل عن الحد الأدنى للأجر وتحفيز المقاولات الصغرى والمتوسطة عبر تمويل مُيسر، وعدالة جبائية، وتبسيط المساطر الإدارية.
وفي خطوة تصعيدية، أعلنت المنظمة عن تنظيم حركة احتجاجية أمام البرلمان بالتزامن مع الدخول الاجتماعي ومناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، مطالبة الحكومة بإحداث مناصب مالية كافية وفعالة.
كما دعت إلى فتح حوار وطني عاجل بين النقابات والحكومة والقطاع الخاص، للخروج من مأزق البطالة، والقطع مع الحلول الظرفية والسطحية التي عمّقت الإحباط، ورفعت من منسوب التوتر الاجتماعي.
وختمت المنظمة بيانها بتذكير الحكومة بأن البطالة لم تعد مجرد رقم في تقارير المندوبية السامية للتخطيط، بل أصبحت عنوانًا لهدر الكرامة، وخطرًا حقيقيًا على التماسك المجتمعي، داعية إلى مراجعة جذرية للسياسات العمومية في مجالات التعليم، التشغيل، والاستثمار، معتبرة أن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من التجريب.
تعليقات الزوار