هبة زووم – أحمد الفيلالي
في زمن أصبح فيه الهاتف الذكي بوابة للحياة اليومية، من التعليم إلى الصحة والإدارة، تعيش عشرات الدواوير التابعة لدائرة البروج بإقليم سطات عزلة رقمية خانقة، تُقصيها من مسار التنمية وتُبقيها في هامش الوطن المتصل.
فرغم الوعود والشعارات الرسمية بشأن تعميم الرقمنة وتحقيق العدالة المجالية، ما تزال دواوير مثل دار الشافعي، أولاد فريحة، عين بلال، وسيدي أحمد الخدير، خارج التغطية، بالمعنيين التقني والمجالي للكلمة. هناك، لا هاتف يرن، لا تطبيق يعمل، ولا وسيلة اتصال فعالة وقت الطوارئ، مما يجعل السكان في مواجهة يومية مع خطر الصمت الرقمي القاتل.
لا يمكن وصف الوضع في هذه المناطق إلا بكونه حصاراً غير معلن. في حالات الطوارئ، يصبح غياب التغطية تهديداً حقيقياً: لا إمكانية للاتصال بالإسعاف، ولا تنسيق مع السلطات المحلية في حال وقوع حادثة، ولا قدرة على التفاعل مع محيطهم الوطني أو العائلي. في مجتمع تزداد شيخوخته، وتغلب عليه الهشاشة الصحية، تكون النتيجة مزيجاً من القلق والعزلة، حيث يصبح الزمن أثمن مما يمكن احتماله.
المدرسة في عزلة، والخدمات الإدارية في عطالة
لا يقف تأثير “القطع الرقمي” عند حدود الخطر الصحي، بل يتغلغل إلى عمق الحياة الاجتماعية. ففي ظل تعميم التعليم الرقمي والمنصات التربوية، يجد تلاميذ هذه الدواوير أنفسهم محرومين من أبسط شروط المساواة في التعلم، ما يكرس فوارق طبقية ومجالية صارخة.
أما الإدارات العمومية، التي تُطالب المواطنين اليوم بإرسال الوثائق عبر الإنترنت أو تتبع ملفاتهم عن بعد، فهي ترفع سقف المستحيل أمام ساكنة لا تمتلك وسيلة اتصال أساسية، في تناقض صارخ مع شعارات الدولة الرقمية.
الفاعلون المحليون في هذه الجماعات لا يطالبون بالرفاه الرقمي ولا بألياف بصرية فائقة السرعة، بل فقط بـتغطية أساسية بشبكات الهاتف والإنترنت، كشرط أولي للكرامة والاندماج الوطني. ما يطالبون به ليس امتيازاً، بل حق يقره الدستور، وتفرضه متطلبات التنمية العادلة.
لقد أصبح واضحاً أن الفجوة الرقمية ليست مجرد خلل تقني، بل هي وجه آخر للتمييز المجالي، ومؤشر صارخ على غياب التخطيط المنصف. فحين تُترك جماعات بأكملها خارج الخريطة الرقمية، فإننا لا نتحدث عن تأخر تنموي فحسب، بل عن فشل في إدماج المواطن المغربي في صلب مجتمعه.
السؤال اليوم ليس عن الإمكانيات، بل عن الإرادة. فتمكين هذه المناطق من تغطية اتصالية لا يتطلب مشاريع عملاقة، بل فقط تفعيل شراكات بين الدولة والفاعلين الخواص في مجال الاتصالات، وإدراج المناطق البيضاء ضمن أولويات التدخل، وربطها بخارطة التنمية الجهوية.
إن رفع هذا الحيف الرقمي عن دواوير دائرة البروج، هو أول خطوة نحو المصالحة مع المغرب العميق، وإعادة الاعتبار لكرامة المواطن الذي لا يطلب إلا أن يكون “على الخط” مع وطنه.
تعليقات الزوار