هبة زووم – سيدي بنور
في قلب سيدي بنور، باتت المقاهي مشهدًا مألوفًا يملأ الأزقة والساحات، حتى غدت المدينة أشبه بخريطة لمئات الطاولات والكراسي المتناثرة على الأرصفة. ما كان في الماضي مجرد فضاء لاحتساء القهوة أو الشاي صار اليوم علامة بارزة على تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، تعكس بطالة متنامية وتراجع فرص الشغل بالإقليم.
المقهى… من استراحة يومية إلى بديل عن غياب الفرص
في ظل ارتفاع معدلات البطالة، خاصة وسط الشباب، تحوّلت المقاهي إلى ملاذ يقصده العاطلون هربًا من فراغ الأيام وضغط الانتظار. يجلسون لساعات طويلة، يحتسون كوبًا واحدًا من القهوة أو الشاي، يتأملون حركة الشارع ويستحضرون أحلامًا مؤجلة وفرصًا ضائعة، بينما يخلق لهم المكان إحساسًا مؤقتًا بالانتماء.
لا تقتصر وظيفة المقهى على استقبال الزبائن، بل أصبح أيضًا نقطة رصد اجتماعي؛ من يجلس قرب الواجهة الزجاجية أو على الطاولات المطلة على الشارع يعرف تفاصيل حركة الناس: من حضر، من غاب، ومن مرّ عابرًا. إنها “صحافة المقهى”، تنقل الأخبار وتعيد صياغتها بوسائل بسيطة، لكنها مؤثرة في تشكيل الرأي العام المحلي.
بين الثقافة والانحراف… وجهان متناقضان
المقاهي ليست مجرد صورة بلاغية، بل فضاءات مركبة؛ فهي معاقل للراحة، للحوار، وحتى للنقاش الثقافي والفني، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى حاضنة للبطالة والتسيب وأحيانًا لبعض السلوكيات غير السوية، حين يغيب التأطير وتنعدم البدائل الترفيهية الجادة للشباب.
حاجة إلى رؤية تنموية متكاملة
هذا الواقع يثير سؤالًا ملحًا: كيف يمكن إعادة توجيه دور المقاهي ليصبح عنصرًا إيجابيًا في النسيج الحضري والاجتماعي؟ الجواب يمر عبر معالجة جذور الأزمة، وأولها البطالة وغياب مشاريع اقتصادية تستوعب الطاقات المعطلة. كما يستدعي دعم مبادرات ثقافية ورياضية، وتوفير فضاءات عامة آمنة ومنظمة، تجعل المقهى محطة لقاء لا مأوى دائمًا للفراغ.
بين عطالة الشباب وتضخم عدد المقاهي، تبدو سيدي بنور في حاجة ماسة إلى خطة شمولية تنقذها من اختزال فضاءاتها في الكراسي والطاولات، وتعيد رسم ملامح مدينة قادرة على استثمار طاقات شبابها بدل أن تتركهم أسرى لكؤوس الشاي الطويلة.
تعليقات الزوار