الجديدة.. من يحكم فعلياً الجماعات الترابية بالإقليم؟

هبة زووم – إلياس الراشدي
يبقى السؤال مطروحاً بإلحاح في إقليم الجديدة: هل تسير الجماعات الترابية فعلاً وفق الإرادة الشعبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع، أم أن القيادة الحقيقية توجد في يد موظف إداري محنك، يملك من الخبرة والدهاء ما يكفي لتحويل القرارات السياسية إلى مجرد أوراق لا تجد طريقها إلى التنفيذ؟
المؤشرات على الأرض توحي بأن الإدارة اليومية للجماعات المحلية كثيراً ما تتجاوز إرادة المنتخبين، لتخضع لنفوذ إداريين خبروا تفاصيل المساطر والثغرات، ويمتلكون القدرة على تعطيل أو تمرير الملفات بحسب ميزان المصالح، وفي هذه الحالة، يصبح المنتخب مجرد واجهة سياسية رمزية، بينما السيطرة الفعلية تمارس من خلف الكواليس.
إلى جانب هذا النفوذ الإداري، تنمو شبكة معقدة من المستفيدين، تضم مقاولين ووسطاء يبرعون في اقتناص الصفقات والمشاريع، حيث يحصل هؤلاء على عقود غالباً عبر مساطر ملتبسة أو بأسعار مبالغ فيها، ليصبح جزء من الأرباح رهيناً ببقاء العلاقة غير المعلنة بين المنتخب والموظف الإداري الخفي قائمة، مما يغذي ثقافة المحسوبية ويبعد المشاريع عن أهدافها التنموية الحقيقية.
هذا الوضع يخلق حالة واضحة من ازدواجية القيادة: المنتخب يتحمل المسؤولية أمام المواطنين، بينما الموظف هو من يملك مفاتيح القرار على الأرض.
أما المواطن، فيجد نفسه أمام مشهد ضبابي لا يعرف فيه من يحكم فعلاً، ولا من يعرقل. ومع تراكم هذه الممارسات، تتآكل الثقة شيئاً فشيئاً بين الناخبين ومن انتخبوهم.
الأمر يزداد تعقيداً حين تختلط الحسابات الحزبية والمناطقية بالمعادلة، فيضطر المنتخب في كثير من الأحيان إلى التوافق مع إداريين محسوبين على شبكات مصالح معينة، وإلا توقفت المشاريع أو تأخر التمويل. وهنا يتحول التدبير المحلي إلى لعبة موازين قوى لا مكان فيها لأولويات المواطن.
هذا الواقع يعيد طرح سؤال جوهري حول جدوى التجربة الديمقراطية المحلية: ما قيمة الانتخابات إذا كانت القرارات تُفرغ من مضمونها في الكواليس؟ وأي تنمية يمكن انتظارها في ظل منظومة تجعل من المواطن الحلقة الأضعف في معادلة معقدة تحكمها المصالح والصفقات والبيروقراطية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد