ورزازات: المدينة تبحث عن منقذ من فشل العامل الجاحظ

هبة زووم – محمد خطاري
مرة أخرى، تُقدّم ورزازات أبناءها قرابين على مذبح الإهمال، في مشهد صار يتكرّر حدّ الاعتياد، ستة أرواح أُزهقت على طريق الموت بين غسات ودمنات، أطفال وتلاميذ خرجوا طلبًا للعلم فعادوا في أكياس بلاستيكية.
لكن ما يُوجِع أكثر من الحادث، هو الصمت الرسمي المريب، وكأن هذه الأرواح لا تعني أحدًا، وكأن ورزازات مجرد هامش لا يستحق الحياة.
في كل مأساة، يظهر عامل الإقليم أمام الكاميرات ليتفقد المستشفى أو يعقد اجتماعًا شكليًا، ثم يختفي حتى الكارثة المقبلة، هذا ليس تدبيرًا ولا مسؤولية، بل هو تجميل إداري لفشل مزمن.
كيف يُعقل أن يعيش إقليم بأكمله في القرن الحادي والعشرين بطرق تشبه المسالك الرعوية، بينما تُهدر الملايير في مشاريع تجميلية بمدن أخرى أقل حاجة؟ ورزازات اليوم ليست فقط ضحية حادث، بل ضحية نظام محلي مترهّل فقد حسّ المسؤولية والضمير.
فأين هي العدالة المجالية التي بشّر بها الدستور؟ وأين هي الجهوية المتقدمة التي قيل إنها ستُنهي زمن المركزية والتمييز الترابي؟ الواقع يقول العكس: الدار البيضاء والرباط تأكلان نصيب ورزازات، كما تأكل المدن الكبرى نصيب كل هوامش الوطن.
إن بقاء هذا الوضع كما هو عليه، يعني أن حياة الناس تُدار بعقلية “التسويف والصدفة”، وأن الدماء في ميزان الدولة لا تُكلّف أكثر من محضر إداري وتقارير شكلية.
لكن من يتحمل المسؤولية المباشرة؟ العامل، أولاً، باعتباره ممثل السلطة المركزية والمسؤول عن التنسيق الترابي، الذي لم ينجح في فرض أي رؤية تنموية حقيقية.
فكيف يُسمّى عاملًا على إقليم، بينما أبناؤه يموتون كل شهر على الطرق، ومدارسه بلا نقل مدرسي، ومستشفاه الإقليمي عاجز عن استقبال أكثر من عشر حالات دفعة واحدة؟
لقد تحوّل موقع العامل في ورزازات إلى منصب بروتوكولي بارد، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى مسؤول ميداني يتحرك قبل الكارثة لا بعدها.
أن تظل البنية الطرقية متهالكة بهذا الشكل، وأن تظل دواوير بأكملها معزولة عن العالم، فذلك فشل إداري لا يُغتفر، وخيانة لمفهوم الدولة الاجتماعية الذي تتغنّى به الحكومة كل يوم.
الساكنة اليوم لا تحتاج بلاغات ولا تعازي رسمية، بل موقفًا سياسيًا حقيقيًا يعترف بالمسؤولية ويعيد توزيع الثروة الوطنية بعدل، فإقليم ورزازات لا يعيش فقط مأساة طرق، بل مأساة تجاهل ممنهج من أعلى الهرم الإداري إلى آخر موظف في الجماعة الترابية.
ما يحدث اليوم هو إعلان واضح بأن ورزازات خارج الخريطة التنموية للمغرب، وأن المواطن فيها مجرد رقم يُضاف إلى لائحة الموتى بعد كل حادثة سير.
فهل ينتظر عامل الإقليم كارثة أكبر ليستيقظ؟ أم أن زمن المحاسبة لم يحن بعد، رغم أن الدم أصبح لغة الاحتجاج الوحيدة التي يفهمها المسؤولون؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد