هبة زووم – محمد أمين
لم تكن فاس، أول أمس الاثنين، في حاجة إلى عاصفة رعدية أو زخات قياسية كي تتعرى هشاشتها، فقط بضع دقائق من المطر كانت كافية لتتحول قنطرة “زواغة” وأحياء “المرجة” إلى برك إسمنتية تُشبه مواقع تصوير فيلم عن نهاية العالم.
دقائق معدودة.. لكنها أغرقت ما تبقى من الثقة في البنية التحتية، وطرحت سؤالاً معلّقاً منذ سنوات: هل فاس مدينة تاريخية أم مجرد ورش تجارب في سوء التدبير؟
المشهد أصبح اعتيادياً لدرجة الفضيحة: تسقط قطرات المطر، ترتفع المياه، يشلّ المرور، ويتحوّل المواطن إلى أكروباتي يتنقل بين البرك، ثم ننتظر، كعادتنا، بلاغات التبرير وتعاليق المسؤولين عن “الظروف الاستثنائية”.
لكن “الظروف الاستثنائية” أصبحت يومية، و”الأمطار الطوفانية” مجرد ربع ساعة من الغيث، و”الشبكات المتقادمة” كنزاً ثميناً في فم كل منتخب عاجز.
لم يعد خافياً أن شبكة الصرف الصحي بفاس لم تعد تستوعب حتى مياه “الوضوء”، فكيف بأمطار موسمية بسيطة؟ والمضحك/المبكي أن هذه الشبكات نفسها “استفادت” من صفقات إصلاح بملايين الدراهم، لكنها كلما اختُبرت بعين الحقيقة، تنهار أمام أول اختبار سماوي.
مواطنون وثّقوا بالصوت والصورة ارتفاع منسوب المياه بسرعة مفزعة، مُعطّلين حركة السير والمشاة، بينما بقيت سيارات نقل التلاميذ محاصرة، وكأن المدينة تعيش في “عصر ما قبل التطهير السائل”.
سكان الأحياء المتضررة أكدوا – للمرة الألف – أن الأزمة تتكرر كل عام، وأن كل الوعود التي قُدمت لهم حول إصلاح الشبكات تبخرت قبل أن تتبخر مياه الأمطار.
أزمة لا تحتاج إلى دراسات ولا لجان، بل إلى جرأة سياسية وميزانيات تُصرف في مكانها، لا فوق الورق فقط.
ما حدث أمس لا يمكن اعتباره حادثاً عادياً… بل جريمة عمرانية بكل المقاييس، فهل يُعقل أن مدينة بسِمعة فاس التاريخية تتحول إلى بركة ماء في ظرف دقائق؟ وهل يُعقل أن صفقات تُقدّر بمليارات تُنَفّذ بهذه الرداءة دون أن يُحاسَب أحد؟
وهنا تبرز مسؤولية الوالي الجديد خالد آيت الطالب، الذي يشهد له الجميع بالصرامة والجدية، والمدينة اليوم تنتظر منه الكثير: فتح ملفات البنية التحتية، تفكيك شبكات المصالح، مراجعة دفاتر التحملات، ومساءلة كل من تلاعب بالأموال العمومية أو باع الوهم للناس.
فالأزمة ليست قدراً، لكنها نتيجة اختيارات خاطئة، وصفقات مشبوهة، وتدبير مرتجل، وإذا لم يبدأ الوالي من هنا، فإن فاس ستظل تغرق، ليس بالمطر، بل بسوء الحكامة.
ما حدث يوم الاثنين ليس مجرد “فيضانات صغيرة”، بل صفعة كبيرة تؤكد أن فاس تحتاج إلى ثورة حقيقية في مجال التدبير الحضري، ثورة تُعيد للمدينة مكانتها وتعيد للناس ثقتهم، أما الاستمرار في دفن الأخطاء تحت الماء فلن يؤدي سوى إلى غرق أكبر.
تعليقات الزوار