هبة زووم – أحمد الفيلالي
لا يحتاج الزائر لمدينة سطات كثيراً من الوقت ليكتشف أنها واحدة من أكبر ضحايا التقطيع الجهوي الجديد، الذي حوّلها من عاصمة تاريخية للشاوية إلى مجرد فضاء سكني تابع لعاصمة الجهة، فاقد للهوية وللاستراتيجية، ومقطوع عن شرايين الدعم والتنمية.
فما الذي تبقّى من هذه المدينة في أجندة الدار البيضاء؟ وهل يعقل أن تتحول مدينة بحجمها وتاريخها إلى مجرد نقطة هامشية قصيرة اليد، لا وزن لها ولا نفوذ داخل الجهة؟
واقع الحال لا يبعث على الاطمئنان، فهنا، يمكن لشخص أقل من عادي أن يقتحم المشهد السياسي بين ليلة وضحاها، وأن يصعد سلّم التأثير مستعيناً بقليل من الضجيج وكثير من الادعاءات.
مدينة تقدّم نفسها اليوم كمرآة مشوهة لمشهد سياسي متهالك، حيث يكفي أن تنفخ قليلاً في صورتك حتى تبدو غيوراً على المدينة أكثر من غيرتها على نفسها، في مسرحية مكشوفة لا علاقة لها بأبريل ولا بالكوميديا السوداء، بل بواقع يعرفه الجميع ويعرف أسراره القريب والبعيد.
في سطات، قد يستيقظ بائع السمك في الأسواق الأسبوعية وقد صار “رجل أعمال” بين يوم وليلة، وقد يتحول العمل الجمعوي من فعل تطوعي نبيل إلى مهنة تدر الأرباح وتجذب الطامعين أكثر مما تجذب الفاعلين الحقيقيين.
أغرب ما في المدينة أن النجاح هنا لا يقاس بالإنجاز، بل بمهارة إتقان الإيقاع. كل ما تحتاجه لتصبح “فاعلًا” هو أن تعرف أين تُقْرَع الطبول، وفي أي اتجاه تهبّ الرياح.
فالمدينة أنتجت طبقة جديدة من “الوجوه” التي لا رصيد لها ولا إنجاز ملموس، لكنها تتصدر المشهد بثقة مدهشة، وتدير “علاقاتها” بمنطق الفاتورة والولاء لا بمنطق المصلحة العامة.
أما السياسة، فقد تحولت إلى لعبة خفيفة الظل: فسمسار الأمس هو سياسي اليوم يوزّع المواعظ، ويلقي الخطب، ويمشي فوق ذاكرة مدينة تعرف أصله وفصله وثمنه.
هي مدينة لا يستر أهلها غبار، ولا يمرّ فيها الوافدون بصمت، كل قادم تُفتح له دفاتره القديمة قبل أن يفتح فمه بكلمة واحدة.
الذاكرة هنا شرسة، والمعلومة لا تنتظر من يبحث عنها، بل هي التي تتبعك إلى أول مقهى، وتجلس بجانبك، وتخبرك بما كنت تتمنى ألا تعرفه.
قطار التنمية في سطات لم يتأخر فقط، بل فات الموعد كلياً، بعدما أصيبت مقصورته بأعطاب خطيرة، وتهاوت قيادته تحت وطأة أزمات أخلاقية وسياسية خانقة.
فالمشهد السياسي البائس، وغياب النخب الحقيقية، وتحوّل المؤسسات المنتخبة إلى فضاءات لتصفية الحسابات، كلها عوامل ساهمت في شلل المدينة، وفي ضياع فرص كانت كفيلة بتغيير وجهها.
حين حلّ العامل حبوها بالإقليم، وجد أمامه مدينة منهكة، أشبه بهيكل عظمي فقد ملامحه ومناعته، الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود.
وواقع الحال يروي قصصاً أغرب من الخيال، أبرزها ما حدث حين طلب مسؤول سابق من قائد بني مسكين الشرقية جمع كبش العيد له، واقعة تختزل كيف كان يُنظر إلى الإدارة والسلطة وكأنها خدمة شخصية لا مؤسسات عمومية.
ومثل هذه القصص تتكرر: سمسار يتحول إلى “فكاك الوحايل”، وآخر يصبح رجل نفوذ قادماً من الأسواق الأسبوعية، وبارونات مقالع يفرضون وصايتهم على القرار المحلي، إنها فوضى النفوذ التي جعلت من سطات مدينة تعيش خارج الزمن.

تعليقات الزوار