هدر أم سوء تدبير؟ صفقة ضخمة تكشف فوضى إدارة حمان لقطاع الماء في المغرب
هبة زووم – الرباط
صفقة بمليار و200 مليون سنتيم لاقتناء “ماء جافيل”، هكذا اختار المكتب الوطني للكهرباء والماء أن يفتح بابًا جديدًا من الشبهات، ويثير موجة غضب واسعة وسط المواطنين، في وقت لا يزال فيه ملايين المغاربة يشتكون يوميًا من رداءة مياه الصنبور وافتقارها لأبسط معايير الجودة.
الصفقة التي وُقِّعت بصمت مريب، أعادت إلى الواجهة سؤال الشفافية داخل المكتب الوطني، وسؤال الأولويات أيضًا: كيف يمكن لمؤسسة عمومية تتحكم في مصدر الحياة أن تنفق مليارًا و200 مليون سنتيم على “ماء جافيل”، بينما يعاني المواطن من مياه معطوبة؟
فالغموض لا يتعلق بالقيمة المالية فقط، بل بطبيعة الاستعمال: هل سيُضَخ هذا المنتج في منشآت معالجة مياه الشرب؟ هل سيتم استعماله داخل وحدات التطهير؟ ولماذا لا يقدم المكتب أي توضيحات للرأي العام حول صفقة بهذا الحجم، تتعلق مباشرة بصحة المغاربة؟
وفي سياق متصل، خرج تقرير فرنسي سابق ليصف مياه الصنبور في المغرب بأنها غير صالحة للشرب، مؤكداً وجود مخاطر صحية حقيقية. هذا التقرير لم يلقَ أي تفاعل رسمي جدي، بل اكتفى المكتب الوطني بالنفي دون تقديم أرقام أو دراسات مضادة، وفي المقابل، يستمر أكثر من 80% من المغاربة في استهلاك مياه صنبور تثير القلق، بينما تتجه المؤسسة إلى صفقات جانبية بدل معالجة المشكل من جذوره.
صفقة “ماء جافيل” بهذا الحجم تكشف مرة أخرى طبيعة العقلية التي تدبر واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في المغرب.
مؤسسة من المفترض أن تكون في قلب الأمن المائي، لكنها تبدو أبعد من فهم أولويات المواطن: المواطن يريد مياها صالحة للشرب، ومكتب يوقع صفقات غامضة بمليارات السنتيمات، هكذا تتجلى فجوة حقيقية بين ما يحتاجه المغاربة، وما يعتبره المكتب “أولويات”.
فبدل الاستثمار في تحديث الشبكات، إصلاح محطات التصفية، وتتبع جودة المياه، يصر المكتب الوطني على إدارة موارد الدولة بعقلية قديمة، حيث يغيب التواصل، وتغيب الشفافية، ويحضر الهدر وسوء التقدير، إنها معادلة بسيطة: حين يغيب احترام المواطن، يغيب احترام المال العام.
ما يحدث اليوم ليس مجرد صفقة مشبوهة، بل مرآة لفلسفة تدبير تجعل المغاربة يواجهون يوميًا معاناة مستمرة مع الماء، وهو أبسط حقوقهم وأول شروط الحياة.