فاس.. مدينة تكبر بسرعة وتتعثر أكثر ومسؤولوها غائبون إلا أمام الكاميرا

هبة زووم – محمد خطاري
تنمو مدينة فاس بوتيرة متسارعة، لكنها تنمو أيضًا في حجم تعقيداتها وتحدياتها، ما يجعلها في حاجة إلى تدبير يقظ، وقرارات جريئة، وحضور ميداني دائم يواكب هذه الدينامية.
غير أن الواقع يشي بعكس ذلك، إذ غاب النفس العملي عن الولاية الحالية، ليحلّ محله حضور إعلامي لافت لا ينعكس على الأرض بإنجازات ملموسة أو حلول حقيقية.
فاليوم تواجه المدينة ملفات ثقيلة لا تحتمل المزيد من التأجيل؛ من أزمة النقل الحضري، إلى تدبير الفضاء العام، إلى صيانة البنيات التحتية، إلى انتشار العشوائية العمرانية، وصولًا إلى صعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية داخل الأحياء الهامشية. كلها أوراش تستمر في الدوران في مكانها، دون مخططات واضحة أو قرارات شجاعة تكسر الجمود.
وتزداد خيبة المواطن حين يرى أن الأولويات تُستبدل بأنشطة بروتوكولية وصور تذكارية لا تلامس همومه، بينما تنتظر أحياء بأكملها مجرد إصلاح طريق، أو إعادة إنارة، أو تنظيم حركة مرور تحولت إلى عبء يومي.
إن ما تحتاجه فاس ليس مزيدًا من الواجهات الإعلامية، بل إعادة الاعتبار للفعل العملي، وللميدان الذي يختبر مصداقية المسؤول أكثر من أي تصريح أو منشور.
ولعل هذا النقاش يعيدنا إلى جوهر النضال الاجتماعي والسياسي الذي فقد الكثير من معناه في مشهد عام يطغى عليه الاستهلاك الشكلي للصورة.
فالنضال الحقيقي ليس احتجاجًا عابرًا أو مناسبة موسمية، بل التزامًا راسخًا بقيم المسؤولية، والصدق، والحرص على تحسين حياة الناس. إنه ممارسة تبدأ من الوعي، وتمتد إلى الفعل اليومي الذي يضع مصلحة المجتمع فوق أي حساب آخر.
عندما ينخرط الفرد في العمل التطوعي، فإنه يختار بوعي أن يكون جزءًا من الحل، وأن يسهم في حماية الحقوق، سواء تعلق الأمر بالكرامة الإنسانية أو العدالة الاجتماعية أو التعليم أو الصحة أو البيئة.
التطوع هنا يتحول إلى سلوك أخلاقي قبل أن يكون مبادرة عملية، إلى تعبير عن الإيمان بأن التغيير يصنعه الناس حين يعطون دون انتظار مقابل.
أما السياسة، في معناها الأسمى، فهي امتداد طبيعي لهذا الإيمان، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا لأنها تتصل مباشرة بصياغة القرارات الكبرى وتوجيه حياة المواطنين.
والسياسة التي تُمارس بضمير حي هي تلك التي تجعل الصالح العام بوصلة وحيدة، بعيدًا عن الانتهازية واستغلال النفوذ أو السعي نحو المناصب.
وهكذا، يصبح العمل السياسي الحقيقي جزءًا لا ينفصل عن روح العمل التطوعي، فكلاهما يقوم على قاعدة واحدة: الصدق والنزاهة وخدمة الناس بأمانة.
ما تحتاجه فاس اليوم ليس استعراض النوايا، بل إرادة تُترجم إلى خطوات، وإدارة تُنصت للمدينة، ونضال يعيد الاعتبار للإنسان ولحقه في مدينة تليق به.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد