خريبكة: مدينة تفقد ثقة المستثمرين وتكسب غضب الساكنة

هبة زووم – خريبكة
تعيش مدينة خريبكة، في الآونة الأخيرة، وضعًا مقلقًا يعكس عمق الاختلالات التي باتت تطبع تدبير الشأن المحلي، في صمت يكاد يكون مطبقًا.
مدينة يفترض أن تكون في طليعة الأقطاب الجهوية، بالنظر إلى موقعها وإمكاناتها الاقتصادية والبشرية، تحولت تدريجيًا إلى فضاء طارد للاستثمار، بسبب مناخ أعمال مرتبك وإجراءات إدارية بطيئة ومتشعبة.
عدد من المستثمرين، سواء المحليين أو الوافدين، باتوا يعبرون بشكل متزايد عن فقدان الثقة في القدرة المؤسساتية للمدينة على مواكبة المشاريع واحتضان المبادرات الاقتصادية.
ملفات تبقى حبيسة الرفوف، مساطر طويلة بلا آجال واضحة، وغياب مخاطب إداري قادر على الحسم، كلها عوامل جعلت خريبكة تخسر فرصًا حقيقية كان من شأنها أن تغيّر وجه المدينة وتوفر مناصب شغل وتنعش الاقتصاد المحلي.
هكذا تجد خريبكة نفسها اليوم مدينة بإمكانات كبيرة، لكنها مكبلة بثقل البيروقراطية وسوء التسيير. فلا رؤية تنموية واضحة المعالم، ولا تنسيق فعال بين المتدخلين، ولا سياسة استباقية لجذب الاستثمار.
والنتيجة، مشاريع تُجهض قبل أن تولد، ورأسمال خاص يفضل البحث عن مدن أكثر مرونة ووضوحًا في القرار.
في موازاة ذلك، يتراكم غضب شعبي مكتوم، تغذيه حالة من التهميش والشعور بالإقصاء من دوائر القرار. ساكنة المدينة تشعر، في كثير من الأحيان، أن أصواتها لا تُسمع، وأن الجهات المسؤولة لا تتحرك إلا تحت الضغط أو في لحظات انتخابية ظرفية.
هذا الغياب شبه التام للتواصل المؤسساتي، وللإنصات الحقيقي لانشغالات المواطنين، عمّق الإحساس بأن المدينة تُدبَّر من فوق، وبمنأى عن نبض الشارع وانتظاراته.
الفراغ في التواصل لم يعد مجرد خلل عابر، بل تحول إلى أحد أعطاب الحكامة المحلية، حيث غابت الشفافية في شرح القرارات، وتراجعت ثقافة المساءلة، واتسعت الهوة بين المنتخبين والساكنة. وهو واقع ساهم في تآكل الثقة، ليس فقط في المؤسسات، بل في مستقبل المدينة ككل.
وخلافًا لما قد يُروج له أحيانًا، فإن خريبكة ليست مدينة فقيرة، ولا تفتقر إلى المؤهلات. على العكس، فهي مدينة ذات موقع استراتيجي، وتاريخ اقتصادي قوي، وبساكنة واعية ونشيطة، قادرة على المساهمة في الإقلاع التنموي متى توفرت شروط الحكامة الجيدة.
غير أن سوء التسيير، والعجز عن بلورة رؤية حضرية واضحة، وتدبير يومي يقوم على الارتجال بدل التخطيط والمتابعة، جعل المدينة تدفع ثمنًا باهظًا، سواء على مستوى سمعتها أو على مستوى جودة عيش أبنائها.
خريبكة اليوم في حاجة ماسة إلى وقفة تقييم شجاعة، تعيد الاعتبار للبعد التنموي، وتضع الاستثمار والتشغيل في صلب الأولويات، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة ومنطق التدبير بالحد الأدنى.
فمدينة بهذا الحجم وبهذه الإمكانات لا يمكن أن تظل أسيرة الصمت، ولا أن تستمر في إهدار فرصها في زمن تتسابق فيه المدن على جذب المشاريع وبناء الثقة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد