خطة “اللاقرار”: كيف أفشل الصمت القادم من الولاية تعيينًا جاهزًا بوكالة تنفيذ المشاريع لجهة درعة تافيلالت؟
هبة زووم – الرشيدية
لم يكن إعلان رئيس مجلس جهة درعة تافيلالت عن عدم انتقاء أي مترشح لشغل منصب مدير الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع قرارًا إداريًا عاديا، ولا لحظة مراجعة ضمير مؤسساتي كما حاول البعض تسويقه، بل كان في جوهره خطة هروب مدروسة من مأزق صنعه الرئيس بنفسه، بعد أن اصطدمت ترتيبات “التعيين المرسوم” بجدار الانتقادات، وصمت مؤسسة الولاية، وغياب الضوء الأخضر الذي اعتاد التعويل عليه.
فالمعطيات المتداولة داخل كواليس الجهة، والمتقاطعة مع تسلسل الوقائع، تؤكد أن اسمًا بعينه كان مُعدًّا سلفًا لشغل المنصب، وأن مسطرة الانتقاء لم تكن سوى واجهة شكلية لإضفاء طابع قانوني على قرار جاهز.
غير أن انكشاف الأسماء، وما تحمله من رمزية ثقيلة مرتبطة بالتقاعد، والعلاقات الخاصة، وسوابق التدبير، فجّر موجة تساؤلات وانتقادات لم يكن بالإمكان احتواؤها هذه المرة.
الأخطر من ذلك، أن رئيس الجهة، المعروف بولعه بالإشارات القادمة من مقر الولاية، وجد نفسه لأول مرة أمام صمت مطبق: لا تأشير، لا مباركة، ولا أي إشارة سياسية تسمح بتمرير الاسم “المختار”.
وهنا بالضبط، لم يكن أمامه سوى الفرار إلى الأمام، عبر تبني خيار “اللاقرار”، وإسقاط لائحة المترشحين كاملة، ليس اقتناعًا بعدم كفاءتهم، بل تفاديًا لتحمل مسؤولية إعلان فائز قد يتحول إلى فضيحة قانونية وسياسية.
إن خطة “اللاقرار” لم تكن سوى آلية إنقاذ ذاتي، لجأ إليها الرئيس حين أدرك أن الإعلان عن اسم بعينه دون تأشيرة وزارة الداخلية سيجعل القرار بلا قيمة قانونية، وسيفتح عليه أبواب المساءلة، خاصة في ظل وضوح مقتضيات القانون التنظيمي 111.14، الذي يربط هذا النوع من التعيينات برقابة السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية.
أما الحديث عن عدم اقتناع لجنة الانتقاء بالعروض المقدمة، فهو تبرير متهافت، لأن نفس اللجنة تضم أسماء وازنة إداريا ومؤسساتيا، من بينها عامل إقليم تنغير ومسؤول مركزي بوزارة الداخلية، وهو ما يطرح سؤالًا بديهيًا: كيف للجنة بهذه التركيبة أن تعجز فجأة عن انتقاء أي اسم؟ أم أن المشكل لم يكن في الكفاءة، بل في الأسماء نفسها؟
الأسماء التي وُضعت في اللائحة لم تكن بريئة، ولا عابرة، بعضها مرتبط بإدارة الوكالة في مرحلة سابقة مثيرة للجدل، وبعضها الآخر بلغ سن التقاعد، ومع ذلك فُتح له باب الترشيح، في مشهد يعكس استخفافًا صريحًا بمبدأ الاستحقاق، ومحاولة لإعادة تدوير نفس الوجوه تحت مسمى “الخبرة”.
وحين فشلت هذه الخطة، لم يجد رئيس الجهة سوى الاحتماء بـ“اللاقرار”، ليُبقي المؤسسة بدون مدير، ويُرحّل الأزمة إلى موعد لاحق، بدل مواجهة أصل الداء: التدبير بمنطق الولاءات لا بمنطق القانون.
إن الأخطر في هذا المشهد، ليس فقط الفراغ الذي ستعيشه وكالة تنفيذ المشاريع، بل تكريس منطق سياسي خطير حاول الرئيس أهرو أبرو تأسيسه منذ مرحلة بوشعاب يحضاه، ومفاده أن التعيينات ليست نتاج مساطر شفافة، بل رهينة بالإشارات، والضوء الأخضر، والصمت أو الكلام القادم من الولاية.
وفي انتظار فتح باب الترشيح من جديد، يبقى السؤال الحقيقي معلقًا: هل سيتغير منطق التدبير؟ أم أن “اللاقرار” لم يكن سوى محطة مؤقتة لإعادة ترتيب نفس السيناريو، بأسماء أقل إحراجًا؟